الأعمدة

تمدد المليشيا داخل أحياء الفاشر وغض الطرف من قبل الجيش يعني التنازل التام عنها صراحة وضمنيا

المستشار/مهيد شبارقة
لم يكن تمدد المليشيات داخل أحياء مدينة الفاشر – عاصمة ولاية شمال دارفور – حدثًا عابرًا في مشهد الحرب العبثية السودانية، بل يمثل نقطة تحول استراتيجية تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة توحي بأن هذه المدينة التي شكّلت آخر المعاقل الحضرية للدولة في الإقليم قد تُترك تدريجيًا لتصبح تحت السيطرة الفعلية لقوى الأمر الواقع المتمثلة في مليشيا الدعم السريع وحلفائها.
اولا: الفاشر: عقدة الصراع الدارفوري
تاريخيًا شكّلت الفاشر قلب دارفور الإداري والسياسي واحتفظت بمكانة رمزية لارتباطها بالسلطنة القديمة إضافة إلى ثقلها الديمغرافي والاقتصادي.
ولذا فإن أي تحول في موازين القوى داخلها لا يُقرأ بوصفه تطورًا محليًا فقط بل كرسالة للداخل والخارج بأن الدولة السودانية تفقد آخر معاقلها في الغرب.
ثانيا :تغلغل المليشيا من الأطراف إلى الأحياء
خلال الشهور الأخيرة تسارعت وتيرة تحركات المليشيا من تخوم المدينة وأطرافها إلى عمق الأحياء السكنية والأسواق فلم تعد المظاهر مقتصرة على نقاط تفتيش متناثرة أو عربات تجوب الشوارع الرئيسية بل امتدت إلى السيطرة الميدانية على المؤسسات الخدمية ومخازن الإغاثة وتجنيد شبان من داخل المدينة نفسها في محاولة لإضفاء شرعية اجتماعية على وجودها.
ثالثا: الجيش صمت يُقرأ كتنازل
المفارقة الكبرى أن الجيش الذي ظل يرفع شعار مواجهة التمرد واستعادة هيبة الدولة يظهر في مشهد الفاشر غائبًا أو متغاضياً وهذا الغياب لا يمكن تفسيره فقط بالضعف العسكري أو الانهاك بفعل حرب المدن بل هو أقرب إلى سياسة غض الطرف التي قد تعني:
إما وجود تفاهمات ضمنية بين قيادات عسكرية والمليشيا لترك الفاشر خارج الحسابات المباشرةأو أن القيادة العسكرية ترى أن تكلفة المواجهة أكبر من الفائدة خاصة بعد الخسائر الفادحة في الخرطوم ومدن أخرى.
ثالثا :انعكاسات أمنية واجتماعية
سيطرة المليشيا على أحياء الفاشر تترتب عليها آثار خطيرة:
١/تفكك النسيج الاجتماعي:
إذ تتعرض مجموعات قبلية بعينها لضغط مباشر ما يعيد إنتاج خطاب الكراهية والانتقام.
٢/أمن الإغاثة الإنسانية: استيلاء المليشيا على المخازن وطرق الإمداد يضع ملايين النازحين تحت رحمة اقتصاد الحرب.
٣/شرعنة الأمر الواقع: كل يوم تمكث فيه المليشيا داخل المدينة يعزز فكرة أن الجيش فقد القدرة على استعادتها.
رابعا:البُعد السياسي والإقليمي
سكوت الجيش على ما يجري بالفاشر يضعف موقعه التفاوضي في أي محادثات مستقبلية إذ إن السيطرة على الأرض هي ورقة الضغط الأهم كما أن القوى الإقليمية والدولية خصوصًا تشاد وليبيا تراقب الموقف باعتباره مؤشرًا على من يمسك فعليًا بزمام غرب السودان وهو ما قد يحدد بوصلتها في التعامل مع السلطة القادمة.
الخلاصة
إن تمدد المليشيا في الفاشر ليس حدثًا عابرًا بل انعطافة مفصلية قد تعني أن الجيش عمليًا تنازل عن المدينة سواء كان ذلك عن قصد أو عجز وهذا بدوره يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر قتامة في ترسيخ تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ بحكم القوة أو تثبيت معادلة جديدة تجعل المليشيا لاعبًا لا يمكن تجاوزه في مستقبل السودان فالفاشر اليوم تختبر صدقية ما تبقى من الدولة وغض الطرف عما يجري فيها يعني بالضرورة الإقرار بالهزيمة السياسية والعسكرية على حد سواء.

زر الذهاب إلى الأعلى