كتب: معاوية أبوالريش
صرخة في وجه الانحدار
يُطلق الأستاذ عادل سيد أحمد خليفة في مقاله الجريء صرخة تحذيرية من واقع مرير يعيشه المجتمع السوداني اليوم، واقع لم يكن ليتصوره أبناء جيله الذين عاشوا في كنف مجتمع محافظ يحترم القيم ويُجِل التقاليد الأصيلة. إنها صرخة ألم وغضب في آن واحد، من كاتب يرى تراثاً عظيماً يُداس، وهوية ثقافية راقية تُمتهن، وذوقاً فنياً رفيعاً يُستبدل بأحط أشكال الابتذال والسقوط.
الحرب العبثية: جذر الداء
يبدأ الأستاذ عادل بتشخيص دقيق للمشكلة حين يصف الحرب الدائرة بأنها “واقع تجريبي قبيح” نتائجه “وخيمة وزِفرة” وهذا الوصف ليس مجرد كلام عابر، بل هو تحليل عميق لطبيعة الحرب وأثرها المدمر على النسيج الاجتماعي. فالحرب لا تقتل الأجساد فقط، بل تقتل الروح، وتُميت الضمير، وتُحلل المجتمعات من قيمها وأخلاقها.
حين يقول الكاتب إن الحرب “تُحلل الناس”، فهو يشير إلى عملية انحلال خطيرة تصيب البنية الأخلاقية والقيمية للمجتمع. فالحرب تخلق حالة من الفوضى والضياع، حيث تسقط القواعد والمعايير، ويصبح كل شيء مباحاً، ويفقد الناس بوصلتهم الأخلاقية في زحمة البقاء والخوف والجوع.
استحضار التراث الشعري: الحكمة العربية الخالدة
استشهاد الكاتب بأبيات زهير بن أبي سلمى ليس للزينة الأدبية، بل هو دليل على أن ما نعيشه اليوم ليس جديداً في التاريخ الإنساني. زهير، شاعر الحكمة والمعلقات، عاش في عصر الحروب القبلية الطاحنة، ورأى بأم عينيه كيف تُدمر الحروب المجتمعات. وحين يقول:
“وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ”
فهو يؤكد أن الحرب ليست مجرد حكايات تُروى أو أخبار تُسمع، بل هي تجربة مُرة يذوقها من يعيشها، ولا يمكن فهم بشاعتها إلا بالمعايشة والمعاناة.
وحين يصف الحرب بقوله:
“فَتَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَا”
فهو يرسم صورة مرعبة لكيفية طحن الحرب للبشر كما تطحن الرحى الحبوب، لا تُفرق بين صالح وطالح، بين بريء ومذنب. والأخطر في قوله:
“فَتُنْتِجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُمْ”
إشارة إلى أن الحرب تُنتج أجيالاً مشوهة، حاملة لبذور الشر والانحراف، وهذا بالضبط ما يراه الأستاذ عادل في واقعنا اليوم من خلال ظاهرة “القونات الشراميخ”
ظاهرة القونات: الوجه القبيح للانحطاط
يضع الكاتب يده على الجرح النازف حين يتحدث عن “الكم الهائل من الشراميخ المُتفننات” اللواتي ظهرن كإفراز طبيعي لحالة الانحلال التي أنتجتها الحرب. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يتحول “الفن” من رسالة سامية إلى وسيلة للابتذال، وأن يُختزل في “غِناء غُثاء، وتراقص بالمؤخرات والأرداف”!
هذا الوصف الصادم ليس مبالغة، بل هو تصوير أمين لواقع مُخجل. فما يُقدم اليوم تحت مسمى “الفن” من قبل هؤلاء القونات هو في حقيقته تجارة رخيصة بالأجساد، واستغلال وضيع لغريزة الجمهور المُنهك من ويلات الحرب، الباحث عن أي شكل من أشكال الترفيه ولو كان في أسفل الدرك.
المفارقة المُرة: بورتسودان عاصمة الابتذال!
من أشد المفارقات إيلاماً ما يذكره الكاتب من أن “مركزهن في بورتسودان، حيث معقل صحابة المؤتمر الوطني المُنحل، وسُلطة الأمر الواقع المُختل” هذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل هي فضيحة أخلاقية صارخة! كيف يمكن لمن يدّعون الحفاظ على القيم والأخلاق وربط قيم السماء بالأرض أن يسمحوا بهذا الانحطاط في عقر دارهم؟
هذه المفارقة تكشف زيف الشعارات وانهيار المنظومة القيمية عند من يحملون لواء “الفضيلة” ظاهرياً، بينما يغضون الطرف عن أبشع أشكال السقوط الأخلاقي في واقع الأمر. إنه نفاق اجتماعي وسياسي يُضاف إلى قائمة طويلة من النفاق الذي يعيشه المجتمع السوداني اليوم.
الحرب وإفرازاتها القبيحة
يُفصّل الكاتب في وصف المظاهر الكريهة للحرب: النزوح، الجوع، المرض. لكنه يُضيف إليها بعداً أخطر وأخبث، وهو الانحطاط الأخلاقي الذي يتمثل في ظاهرة “القونات الشراميخ” اللواتي يمزجن بين “بذيء الكلم، ورديء اللحن، والرقص الخليع”
هذا التوصيف ليس فيه أدنى مبالغة، فما نشاهده اليوم على شاشات التلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي من محتوى فني هابط يجمع بين الكلمات البذيئة والألحان الرديئة والحركات الفاضحة، هو بالفعل أحط ما يمكن أن يُقدم باسم الفن. بل إن بعض هؤلاء القونات، كما يذكر الكاتب، لجأن إلى العمليات الجراحية لتضخيم أجزاء معينة من أجسادهن، في محاولة بائسة لجذب الأنظار وكسب المال السريع!
هذا الاستخدام المُفرط والمُبتذل “للصدر والمؤخرة” كأدوات للرقص والاستعراض، واللجوء إلى الجراحات التجميلية “لنقل شحوم من البطون لزراعتها في المؤخرات”، واستخدام “هرمونات لتضخيم الصدور”، كل ذلك يُظهر مدى السقوط الذي وصلت إليه هؤلاء النسوة، ومدى استعدادهن للمتاجرة بأجسادهن وكرامتهن من أجل المال والشهرة الزائفة.
صرخة الألم: ماذا أصاب بلادنا؟
يُطلق الكاتب صرخة مدوية: “ماذا أصاب بلادنا؟!” إنها صرخة كل سوداني شريف يرى وطنه يُمزق، وقيمه تُداس، وهويته تُشوه. ثم يتبعها بدعاء مُفعم بالألم: “ال دخلت فينا، تمرق مننا يا رب!” إنه دعاء من يرى البلاء قد حل، ويرجو من الله أن يرفعه.
ثم يأتي السؤال الأكثر إيلاماً: “هل نحن شعب خليل فرح وكرومة ووردي؟” هذا السؤال الاستنكاري يحمل في طياته كل الحسرة والألم على ما وصل إليه حال السودان. كيف للشعب الذي أنجب عمالقة الأدب والفن أمثال خليل فرح صاحب الشعر الراقي والأغاني الخالدة، وكرومة، ومحمد وردي سفير الأغنية السودانية إلى العالم، كيف لهذا الشعب أن يقبل بهذا الهبوط المُخزي؟
استحضار الرموز الشعرية العظيمة
يستحضر الكاتب بألم شديد اسم إدريس جماع، ذلك الشاعر العملاق الذي كتب:
“أنتَ السماءُ بدت لنا / واِستعصمتْ بالبُعد عنا”
هذا البيت الذي يصف به إدريس جماع شموخ الحبيب وعلو مكانته، يستخدمه الكاتب للتساؤل: ماذا سنقول لإدريس جماع غداً عن حال الفن السوداني؟ كيف نواجه شاعراً كتب بهذا الرقي والسمو، ونحن نسمح بهذا الانحطاط؟
كذلك يستحضر الهادي آدم الذي كتب:
“هذه الدنيا كتابٌ / أنت فيه الفكرُ”
أي رقي هذا! أي سمو في التعبير! كيف ننتقل من هذا المستوى الراقي من الفن والأدب إلى ما نشاهده اليوم من ابتذال وسقوط؟
هذا الاستحضار للرموز الفنية الكبيرة ليس مجرد نوستالجيا أو حنين للماضي، بل هو تذكير بالمعيار الذي يجب أن نقيس به ما يُقدم اليوم باسم الفن. إنه تذكير بأن السودان كان وطن الفن الراقي والأدب الرفيع، وأن ما نشاهده اليوم هو انحراف خطير عن المسار الصحيح.
اتهام مباشر: لقد مَثلوا بتأريخنا
يُطلق الكاتب حكماً قاسياً لكنه عادل: “لقد مَثلَ المنحطون والمنحطات بتأريخنا التليد العتيد” كلمة “مَثلَ” هنا تحمل معنى التشويه والتنكيل، كما يُمثل بالجثة فيُشوه معالمها. هذا بالضبط ما فعلته هؤلاء القونات وأمثالهن بالتاريخ الفني السوداني العريق. لقد شوهن صورة السودان الثقافية، ونكّلن بتراثه الفني، وحولن الفن من رسالة سامية إلى مهنة وضيعة.
معنى “الشراميخ”: التكبر في الفارغة
يختم الكاتب مقاله بشرح مفيد لكلمة “شراميخ” التي تعني في العامية العربية “التكبر في الفارغة، في الوقت غير المناسب”، وتغطي كذلك “تصرفات الناس غير المحترمين والرعاع” وهذا بالضبط ما تمثله هؤلاء القونات: تكبر فارغ على غير شيء، وتصرفات غير محترمة، ورعونة في زمن يحتاج فيه الوطن إلى كل ما هو جاد ومسؤول وراقٍ.
الخلاصة: نحو إنقاذ ما تبقى
إن ما كتبه الأستاذ عادل سيد أحمد خليفة ليس مجرد مقال نقدي، بل هو صرخة تحذير من انهيار وشيك للمنظومة القيمية والثقافية في المجتمع السوداني. إنه جرس إنذار يدق بقوة ليوقظ من تبقى من أهل الغيرة والحمية على قيم هذا الوطن وأخلاقه.
الحرب الدائرة اليوم لها أوجه كثيرة للدمار: دمار مادي يتمثل في المباني المهدمة والبنى التحتية المُخربة، ودمار إنساني يتمثل في القتلى والجرحى والنازحين، لكن أخطر أنواع الدمار هو الدمار الأخلاقي والقيمي الذي تمثله ظاهرة “القونات الشراميخ” وأمثالهن من المنحطين والمنحطات.
هؤلاء القونات لسن مجرد مطربات سيئات، بل هن رمز لانهيار منظومة القيم في مجتمع كان بالأمس القريب يُضرب به المثل في المحافظة والأصالة. هن تعبير صارخ عن انتصار الرخيص على الرفيع، والهابط على الراقي، والمبتذل على الأصيل.
وحين يكون مركز هذا الانحطاط في بورتسودان، حيث يُفترض أن تكون السلطة الحاكمة أكثر حرصاً على القيم، فإن ذلك يكشف زيف الادعاءات وانهيار المصداقية عند من يرفعون شعارات الفضيلة نهاراً بينما يحتضنون السقوط الأخلاقي ليلاً.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع: على الأسر أن تربي أبناءها على القيم الصحيحة، وعلى المجتمع أن يرفض هذا الابتذال ويقاطعه، وعلى الإعلام أن يكف عن الترويج للتفاهة، وعلى السلطات أن تمارس دورها في حماية المجتمع من هذا الطوفان من الرذيلة.
وإلا، فإن السؤال الذي طرحه الأستاذ عادل سيبقى يؤرقنا جميعاً: ماذا سنقول لإدريس جماع والهادي آدم وخليل فرح وكرومة ووردي ومحمد المكي إبراهيم وعبد الكريم الكابلي وسيد خليفة وغيرهم من عمالقة الفن السوداني غداً؟ كيف سنبرر لهم تحويل الفن من رسالة حضارية سامية إلى سلعة رخيصة تُباع في سوق الابتذال؟
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد انحراف عابر، بل هو نذير خطر بانهيار الهوية الثقافية السودانية. وإن لم نتحرك اليوم لوقف هذا الانحدار، فسنجد أنفسنا غداً أمام جيل لا يعرف من الفن إلا الابتذال، ولا يعرف من القيم إلا الانحلال.
حسبنا الله ونعم الوكيل في من باع كرامة الفن السوداني بثمن بخس، وحوّل التراث العظيم إلى مهزلة مُخجلة!
اللهم احفظ السودان وأهله من كل سوء، وارفع عنهم البلاء، وأعدهم إلى الطريق السوي طريق القيم والأخلاق والفن الراقي الهادف.
“إن الأمم لا تُهزم بالسلاح وحده، بل تُهزم حين تفقد هويتها وتتخلى عن قيمها، وحين يسود فيها الرخيص على الرفيع، والهابط على الراقي. والسودان اليوم في مفترق طرق: إما أن ينتصر لقيمه وتراثه العظيم، وإما أن يغرق في بحر الابتذال والانحطاط. والخيار لنا جميعاً.”



