الأعمدة

السودان: الوجهة القادمة للضمير العالمي

بقلم: د. كمال محمد الأمين عبد السلام
هناك لحظات في التاريخ تتوقف فيها الأقلام عن الكتابة، وتصمت الكلمات أمام هول المأساة.. وهناك لحظات أخرى تصرخ فيها الضمائر بصوت واحد: “كفى!”
السودان اليوم يعيش إحدى هذه اللحظات الفاصلة.
عندما تصبح الجغرافيا مأساة :
يقولون إن الجغرافيا قدر.. والسودان، هذا البلد الذي يمتد كجسر بين أفريقيا والعالم العربي، يدفع اليوم ثمن موقعه الاستراتيجي، وثمن ثرواته الطبيعية، وثمن تنوعه الثقافي الذي كان يجب أن يكون نعمة.. لكنه أصبح في أيدي الطامعين نقمة.
منذ أبريل 2023، والسودان يغرق في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.. حرب بين “كيزان” الجيش و”كيزان” الدعم السريع، كما يحلو للبعض أن يسميهم. والحقيقة أن هذه التسمية، رغم قسوتها، تحمل من الصدق ما يجعل المرء يتوقف عندها طويلاً.
الأرقام التي لا تكذب :
الأرقام مرعبة بكل المقاييس. أكثر من 18,800 مدني قُتلوا منذ بداية الصراع، وهذا العدد المعلن.. أما العدد الحقيقي فالله أعلم به. 8.6 مليون نازح داخل السودان و3.8 مليون لاجئ ومُهجر. أرقام تجعل السودان “أسوأ أزمة إنسانية ونزوح في العالم” كما تصفها الأمم المتحدة.
ولكن الأرقام، مهما بلغت من الهول، تبقى مجرد أرقام.. أما الحقيقة فهي في عيون الأطفال الذين فقدوا طفولتهم، وفي دموع الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، وفي صمت الآباء الذين لم يعودوا قادرين على حماية عائلاتهم.
والمضحك المبكي في هذه المأساة أن الحرب، في جوهرها، ليست أكثر من صراع على السلطة بين مجموعة من العسكريين الذين تربوا في أحضان النظام البائد، وورثوا عنه طموحاته المريضة في الهيمنة. إنها حرب “الكيزان” كما يسميها الشارع السوداني، سواء كانوا في الجيش أم في الدعم السريع.
الجيش السوداني رفض حضور محادثات السلام في جنيف في أغسطس 2024، بينما أرسلت قوات الدعم السريع وفداً.. وكأن هذه الحرب لعبة شطرنج، والشعب السوداني مجرد بيادق على الرقعة.
والأخطر من الحرب نفسها هو ما تبعها من خطاب كراهية مدمر. الكتائب الإلكترونية للطرفين تعمل ليل نهار على تأجيج الصراع، وتحويل المأساة السودانية إلى حرب هوية مدمرة. إنهم يزرعون الشك بين الجار وجاره، وبين الأخ وأخيه، وكأن السودان لم يكن يوماً بلداً واحداً بقلب واحد.
هذا الخطاب المسموم يذكرني بما قاله أحد الحكماء: “عندما يريد الشيطان أن يدمر أمة، فإنه لا يحتاج إلى جيوش.. يكفيه أن يوقع بينها الفرقة والكراهية.”
صوت العقل وسط الجنون :
وسط هذا الجنون، يبرز صوت العقل والحكمة في تحالف “صمود” والقوى المدنية الأخرى. هؤلاء الذين رفضوا منطق “معي أو ضدي”، واختاروا طريقاً ثالثاً: طريق السلام والحوار.
تحالف “صمود” المناهض للحرب والمؤيد للديمقراطية يقدم بصيص أمل، كما تؤكد التقارير الدولية. وهذا التحالف، بقيادة “حمدوك”، يطرح رؤية واضحة: هناك معسكران لا ثالث لهما – معسكر الحرب الذي يضم كل من يحمل السلاح، ومعسكر السلام الذي يضم كل من يؤمن بأن الحوار أقوى من الرصاص.
الأمل القادم من المدنيين :
التحالف الواسع لتوحيد صوت المجتمع المدني يمكن أن يقدم “الشرعية التوافقية” لأي مسعى جدي لإنهاء الحرب في السودان، كما تؤكد الدراسات الدولية. وهذا ما تفعله “صمود” بالضبط – تجمع الأصوات العاقلة من أجل وقف نزيف الدم.
العالم يستيقظ :
وبعد الحرب الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة، بدأ المجتمع الدولي يدرك أن السودان لا يمكن أن يُترك ينزف وحيداً. فالاستقرار في المنطقة كلها مرتبط بما يحدث في السودان. المملكة المتحدة تقود أنشطة مجلس الأمن الدولي حول السودان، والضغط الدولي يتزايد يوماً بعد يوم.
اليوم، وبينما نكتب هذه الكلمات، هناك طفل سوداني يبحث عن أمه في مخيم للاجئين، وهناك أم تحتضن جثة ابنها، وهناك أب يحاول أن يشرح لأطفاله لماذا تركوا بيتهم وأرضهم
السودان لا يحتاج إلى شفقة.. السودان يحتاج إلى عدالة. يحتاج إلى ضغط دولي حقيقي لوقف هذا النزيف. يحتاج إلى دعم القوى المدنية التي تؤمن بالسلام والحوار.
ختاما :
نعم، ستكون الوجهة القادمة هي السودان. وسيكتشف العالم أن هناك شعباً عظيماً يستحق الحياة الكريمة، وأن هناك قوى مدنية شجاعة تقف في وجه الطغيان والاستبداد.
وسيكتشف العالم أيضاً أن “صمود” ليس مجرد اسم.. بل هو فعل مقاومة ضد الظلم، وإرادة شعب يرفض أن يكون مجرد رقم في إحصائيات الحروب.
السودان سينتصر.. والمستقبل للسلام، وليس للحرب.
“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”
والسودانيون بدأوا التغيير.. والباقي على العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى