الأعمدة

مصر بين البرهان وحفتر.. خيوط التوازن على حواف المثلث

بقلم : نزار عثمان
في لحظةٍ إقليمية مأزومة، حملت مدينة العلمين أسراراً أكبر من رمالها. الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يلتقي عبدالفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني. لقاء غير معلن، تزامن مع وجود المشير خليفة حفتر في مصر. تواريخ تتقاطع. وجغرافيا تشتعل. وتوازنات تُختبر على نار الحدود.
مصر التي لطالما قالت إن السودان عمقها الاستراتيجي، ترى الآن في منطقة “جبل عوينات” ما هو أكثر من صحراء تُركت لوعورة الطبيعة وتاريخ المستكشفين. صارت ساحة صراع مسلح، وصندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية.
فحين تصل قوات الدعم السريع إلى هذه النقطة التي تلتقي فيها حدود مصر وليبيا والسودان، تزداد الأسئلة وتضيق الخيارات.
البرهان اختصر حضوره في مؤتمر إشبيلية وحطّ في العلمين، جاء مسرعاً للقاء السيسي. قيل إن الأخير استدعاه. ما عادت الأزمة في الخرطوم فقط. النار وصلت مشارف الحدود المصرية، وباتت القاهرة في قلب المعادلة لا على هامشها.
أما اللقاء مع حفتر فلم يكن مصادفة. بل رسالة مزدوجة: أن مصر لا تقف على ضفة واحدة فقط، بل تسعى لمسك خيوط التوازن، ولو بشق الأنفس.
هي لا ترتاح للدعم السريع، لكنها أيضاً لا تضع كامل ثقتها في البرهان. تتعامل معه مكرهة. تراه واجهة يُحركها من هُم في الظلال، ويذكّرها بكوابيس مضت.
في عام 1989، خُدعت القاهرة وباركت انقلاب البشير وروّجت له عربياً ودولياً، لتكتشف لاحقاً أن حسن الترابي كان يقود مشروعاً أممياً من الخرطوم، ضمّ بن لادن والغنوشي وبلحاج وحتى القرضاوي. منحهم جوازات دبلوماسية وسكناً في جوارها. لهذا، تخشى أن يتكرر المشهد بأقنعة جديدة، بينها البرهان، وبدائل غير مضمونة كحميدتي.
ورغم هذا التوجّس، فإن القاهرة لا تملك رفاهية الاستقالة من المشهد. فسيطرة قوات حميدتي على المثلث الحدودي، ليس كما قبلها. وأن تُحاصر مصر من الجنوب الغربي، وأن يُقال إن حفتر يفتح طرق إمداد غير معلنة للدعم السريع، فذلك يعني شيئاً واحداً: أن الجغرافيا باتت فخاً.
من مفارقات هذه اللحظة أن القاهرة وجدت نفسها وسيطاً بين رجلين تُراهن عليهما في ملفات متداخلة. البرهان شريكها في استقرار وادي النيل، وحفتر شريكها في كبح فوضى الغرب الليبي. لكن حين يدخل الطرفان حلبة اشتباك غير مباشر في “مثلث النار”، تصير مصر مطالبة بما هو أكثر من الحياد، وأقل من الانحياز.
الاجتماع بين السيسي والبرهان، وفق ما صدر، تناول الأمن الميداني والدعم الإنساني وإعادة الإعمار. لكن ما لم يُعلن كان الأهم: كيف تُقنع القاهرة حفتر بالكف عن لعب دور الناقل الصامت للدعم السريع؟ وكيف تُلزم البرهان بالتخفّف من ثقل الكيزان الذين يجلسون على أكتافه لكي تُحسن دعمه؟
في هذه الرقعة الحدودية التي تلامس الحواف المتآكلة للجغرافيا، لا مكان للفراغ. القاهرة تعرف ذلك. وتحاول أن تُمسك بالمعادلة قبل أن تُفلت.
بين البرهان وحفتر، بين الدعم السريع وحدودها، تقف مصر أمام امتحان التوازن الصعب: هل تملك ما يكفي من أوراق، أم أن الخرائط الجديدة تُرسم بحبرٍ لا يحمل ختمها؟

زر الذهاب إلى الأعلى