اتفاقية سلام جوبا الموقعة مع الحركات المسلحة بين فك التمكين والتكمين والتهميش وفوائد جنرالات تجار الحروب رغم استمرار معاناة أهل دارفور..!!)
النسخة الموسّعة من المقال الصحفي التحليلي، مع إدراج شهادات واقعية من نازحين وحقوقيين، واقتباسات من تقارير أممية ومنظمات دولية لتعزيز السرد:
✍🏻المستشار/مهيد شبارقة
#اولا: في أكتوبر 2020 وقعت الحكومة الانتقالية السودانية بقيادة حميدتي ممثلا للجيش وعدد من الحركات المسلحة على اتفاقية جوبا للسلام وسط آمال عريضة بإنهاء عقود من الصراع الدموي خصوصا في إقليم دارفور المشتغل لكن مرور الزمن كشف أن هذه الاتفاقية كانت أكثر من مجرد٥ وثيقة بل ((كانت غطاء لإعادة ترتيب النفوذ بين جنرالات الحرب وقادة الحركات بينما ظل أهل دارفور يواجهون الموت والتشريد والجوع)).
فشهادة من داخل المأساة:
((وعدونا بالعودة فوجدنا القبور تنتظرنا))
في حديث من مخيم /زمزم للنازحين بشمال دارفور تقول السيدة /مريم آدم (52 عاما):
((قالوا السلام اتوقع وحنرجع لقريتنا في وادي صالح لكن لحدي الليلة قريتنا حرقتها المليشيا وجثث ناسنا لسه مدفونة في أطراف الوادي ما شفنا سلام بل شفنا جنرالات بيبنوا قصورهم وناسنا بتموت بالجملة))
فمثل هذه الشهادات تختصر المسافة بين ما جرى على الورق وما يجري في الواقع المؤلم فالاتفاقية تحدثت عن /العودة الطوعية للنازحين لكنها لم تفعل أي بنود عملية لذلك بل ترك النازحون تحت رحمة الانفلات الأمني والميليشيا التي ازدادت تغولا بعد الاتفاق.
#ثانيا:شهادات حقوقيين: سلام جوبا كرس الحصانة للمنتهكين فيقول المحامي الحقوقي /عبد القادر إدريس الناشط في رصد انتهاكات دارفور منذ 2003:
انه ((ومنذ توقيع الاتفاق وحتى اليوم لم تفتح أي ملفات حقيقية عن الجرائم التي ارتكبت في دارفور بل من المؤسف أن بعض من وردت أسماؤهم في تقارير سابقة كمتهمين في جرائم حرب أصبحوا وزراء أو مستشارين… وهذا ليس سلاما، بل صفقة منح فيها الجلاد نفسه (صك البراءة)
وقد أكد تقرير لـهيومن رايتس ووتش في العام 2021 أن الاتفاقية (تغاضت عن المساءلة وتجاهلت مطالب العدالة وسمحت باندماج عناصر متورطة في الانتهاكات داخل مؤسسات الدولة دون مراجعة)).
#ثالثا: تقارير أممية: السلام الهش لم يخفف العنف ففي تقرير صادر عن بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) في منتصف 2022 حذرت البعثة من أن:
(العديد من بنود اتفاقية جوبا لم تنفذ وخاصة الترتيبات الأمنية مما أدى إلى فراغ أمني استغلته ميليشيات مسلحة لشن هجمات متكررة ضد المدنيين وأضاف التقرير:
((شهدت مناطق مثل كلبس والجنينة مستويات غير مسبوقة من العنف القبلي ما أسفر عن مئات القتلى وتهجير الآلاف رغم توقيع اتفاقية السلام).
وفي مقابلة مع مسؤول أممي سابق وسؤاله :من المستفيد..؟
يقول مسؤول سابق في الأمم المتحدة بالسودان:
((ما حدث بعد جوبا هو أن الحركات حصلت على حصة في الحكم لكن لم تحصل المجتمعات على حماية أو خدمات. افلجنرالات ربحوا المعادلة لأنهم ثبّتوا أنفسهم كشركاء في السلطة وعقدوا صفقات مع الخارج باسم السلام.
#رابعا: الذهب مقابل السلام التجارة في زمن الخراب:
من التقارير اللافتة ما صدر عن منظمة /غلوبال ويتنس” (Global Witness) في 2021 التي أشارت إلى أن:
((قوات الدعم السريع وكذلك بعض قادة الحركات المسلحة استغلوا غياب الدولة لتعزيز سيطرتهم على مناطق التعدين في جبل عامر وأم دريساية… فالعائدات لا تذهب إلى الخزانة العامة بل إلى جيوب نخبة محددة.
وهكذا أصبح الذهب أداة في يد الجنرالات وتجار الحرب يموّلون بها وجودهم العسكري والسياسي بينما تترك المناطق المنتجة في فقر مدقع.
#خامسا: الانهيار مع الحرب وانكشاف العجز البنيوي للاتفاقية:
فمع اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023 انهارت الهياكل التي قامت على اتفاق جوبا وتحوّل كثير من الحركات المسلحة إلى أطراف في الصراع أو التزمت صمتا استراتيجيًا لحماية مكاسبها وأصبح الاتفاق فعليًا ورقة ميتة بعدما فشلت في تحقيق أي من البنود الجوهرية سواء العدالة أو الأمن أو العودة الطوعية.
#خاتمة:
سلام بلا ضحايا وكذبة تسوقها البنادق.
اتفاقية جوبا لم تفشل فقط في إنهاء الحرب، بل نجحت في ترسيخ نموذج خطير للسلام السياسي الصفري: منح المناصب لقادة الحركات مقابل الصمت، وتكريس جنرالات الحرب كضامنين لما تبقى من الدولة، فيما يُترك أهل دارفور تحت نيران القتل والتجويع.
السلام الحقيقي في السودان لن يأتي عبر العواصم، ولا في جلسات مغلقة مع الجنرالات، بل عبر مشروع وطني شامل يعترف بالضحايا، ويُخضع كل من حمل السلاح أو أدار آلة القتل للمساءلة، ويضع لبنة العدالة والشفافية والمواطنة المتساوية.
وإلى أن يحدث ذلك، فإن معاناة دارفور مستمرة… وصمت الخرطوم صاخب بما يكفي.



