الأعمدة

بواطن الفساد وعدم المحاسبة تتضح جليل في الفرق والمقارنة العورة بين /سد مروي و/سد النهضة: من حيث التكلفة والسعة..!!

✍🏻المستشار /مهيد شبارقة
في الوقت الذي تتباهى فيه الدول ببناء مشاريع البنية التحتية العملاقة باعتبارها رموزا للنهضة والسيادة يتكشف في السودان واقع مرير تحجبه الشعارات البراقة ويكشفه الواقع الرقمي الموثق فسد مروي وسد النهضة مثالان صارخان على فداحة الفساد المالي والإداري وغياب الرقابة والمحاسبة لا سيما حين نقارن قيمة التكاليف الإنشائية والعائد الإنتاجي لكليهما
أولاً: المقارنة بالأرقام الصادمة:
سد مروي (السودان)
وسد النهضة (إثيوبيا)
سنة البدء 2003 _2011
سنة التشغيل 2009 2022 (تشغيل جزئي)
التكلفة المعلنة 3.5 مليار دولار لسد مروي و5 مليار دولار لسد النهضة (رغم التأخر)
السعة التخزينية لسد مروي 12.5 مليار متر مكعب 74 مليار متر مكعب
الطاقة الإنتاجية 1250 ميغاواط أكثر من 6000 ميغاواط
عدد السكان المستفيدين أقل من 10 ملايين نسمة قرابة 100 مليون نسمة
الكفاءة مقابل الكلفة متدنية للغاية إنتاجية عالية بتكلفة مقبولة
ثانيا: سد مروي… مشروع تنموي أم فقاعة فساد؟
غرغم الترويج الضخم الذي واكب تنفيذ سد مروي إلا أن المشروع ولد في بيئة سياسية يغيب عنها الشفافية ويهيمن فيها الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني آنذاك) على مفاصل القرار المالي دون اي محاسبة حيث
كشف لاحقا أن تكلفة المشروع تضخمت نتيجة لعقود توريد مريبة ونثريات ضخمة لمسؤولين وصفقات مع شركات أجنبية بمواصفات متدنية ومبالغ فيها وغياب تام للرقابة البرلمانية أو المجتمعية.
والمفارقة الأكبر أن سد مروي الذي كلف 3.5 مليار دولار لم تتجاوز طاقته الإنتاجية 1250 ميغاواط وهو رقم زهيد مقارنة بالتكلفة والفرص المهدرة.
#ثالثا: سد النهضة… إنجاز بإمكانيات محدودة ورؤية استراتيجية
فرغم الانتقادات السياسية الإقليمية لسد النهضة الإثيوبي فإن طريقة تمويله وتنفيذه كشفت عن عقلية وطنية تعبئ فيها الدولة المجتمع ككل لإنجاز مشروع قومي حيث تم تمويل سد النهضة عبر مساهمات إثيوبيين في الداخل والخارج وسندات حكومية ولم تعتمد إثيوبيا على تمويل دولي كبير ورغم تأخر المشروع فإن مراحله أنجزت تدريجيا، وبشفافية نسبية وبتكلفة تمثل ثمنا حقيقيا للبنية التحتية إذ تجاوزت الطاقة الإنتاجية 6000 ميغاواط مقابل 5 مليار دولار فقط.
رابعا: غياب المحاسبة في السودان… الخلل البنيوي القاتل: تفضح المقارنة بين المشروعين عمق الأزمة السودانية فالفساد البنيوي والافتقار لنظام مساءلة حقيقي فمشروع بحجم سد مروي لم يفتح فيه تحقيق جاد رغم تسريبات عن فساد مالي وتهجير غير إنساني للأهالي وتضخيم للعقود.
#فمن الذي يحاسب؟
#ومتى يحاسب..؟؟
#وكيف يحاسب..؟؟ والمسؤولون في دولة تدار بالمحاصصة والمحاباة والولاءات الحزبية والعسكرية..؟
خامسا: الكلفة السياسية والاجتماعية لمشروع مروي: لم يتوقف الأمر على الخسارة المادية بل رافق سد مروي انتهاكات إنسانية واسعة حيث تم تهجير آلاف من السكان المحليين (الحماداب والمناصير) دون تعويضات عادلة وأُغرقت قرى بأكملها لصالح شركات استثمارية ومشاريع زراعية لم تنفذ وتحول السد لاحقا إلى أداة سياسية للسيطرة الأمنية ومورد ريع لصالح شبكات محسوبة على النظام البائد.
سادسا: هل يمكن إنقاذ المشاريع القومية من براثن الفساد…؟
تبرز هذه المقارنة أهمية الرقابة المالية والنشر الدوري لبيانات الإنفاق ومشاركة المواطنين والمجتمع المدني في صياغة ومتابعة المشاريع الكبرى دون هذه الآليات تتحول أي بنية تحتية مهما عظمت إلى فجوة فساد وتمكين وتحكم سياسي.
سابعا: شهادات هندسية من داخل السودان تكشف المستور:
شهادة المهندس محمد الفاتح مهندس سابق في وحدة تنفيذ السدود:
(عندما بدأ تنفيذ مشروع سد مروي كنا نعمل على خطط يفترض أنها تلبي المعايير الدولية لكن فوجئنا بأن الكثير من قرارات التصميم والتنفيذ كانت تصدر من فوقنا دون نقاش تقني فكانت هناك شركات بلا خبرة تحظى بالعقود الضخمة لأن أصحابها مرتبطون بالنظام السياسي وقتها لم يكن الهدف التنمية بل تنفيذ المشروع بأي طريقة لضمان استفادة بعض النافذين.
وتقول المهندسة سارة حسن –خبيرة طاقة متجددة ومستشارة مشاريع كهرومائية:
((ان تكلفة إنتاج الميغاواط الواحد من سد مروي تجاوزت أي منطق اقتصادي بالمقارنة فإن سد النهضة يولد حوالي خمس أضعاف الطاقة بأقل من ضعفي تكلفة مروي وهذا فارق يشير بوضوح لغياب الرؤية الاقتصادية في السودان وغياب الرقابة على العقود والمناقصات
ثامنا: شهادات من خبراء مستقلين ومراجعين ماليين
الدكتور عبد الباقي آدم خبير محاسبي ومراجع مشاريع بنية تحتية بقول:
((بعض العقود المتعلقة بسد مروي لم تمر عبر المراجعة العامة وتم استثناؤها بذريعة السرعة في التنفيذ وهذا فتح بابا واسعا للفساد وسوء الإدارة أذكر أن إحدى شركات التوريد حصلت على عقد بقيمة 200 مليون دولار دون وجود سابقة أعمال وكان مالكها مقربا من نافذين.
وفي شهادة من داخل وزارة الري يقول احدهم:
((طلب من كثير من الكوادر التزام الصمت أثناء تنفيذ السد وتم استبعاد من يبدي ملاحظات فنية فكل من شكك في الجدوى الاقتصادية للمشروع أو في مدى أمان التربة التي شيد عليها كان يهمش أو ينقل فكان المشروع أكبر من أن يسأل عنه أحد))
تاسعا: تحليل فني مقارنة بأدوات القياس الإنتاجي
باستخدام مؤشر /التكلفة لكل ميغاواط يمكن التوصل لنتائج صادمة:
فالمشروع التكلفة الكلية (مليار دولار) الطاقة الإنتاجية (ميغاواط) تكلفة الميغاواط الواحد (مليون دولار)
سد مروي 3.5 1250 2.8
سد النهضة 5 6000+ أقل من 0.84
فالنتيجة: تكلفة إنتاج الميغاواط في سد مروي كانت أكثر من ثلاثة أضعاف مثيلتها في سد النهضة ما يعد كارثة اقتصادية ومؤشراً على هدر غير مبرر.
عاشرا: أثر بيئي واجتماعي متفاوت بين السدين:
فيشير خبراء في علم الاجتماع والبيئة إلى أن سد مروي:
تسبب في تهجير أكثر من 70 ألف نسمة دون خطة دمج حقيقية في المجتمعات الجديدة وأغرق مواقع أثرية يعود بعضها للعصور المروية والنبتية دون توثيق أو إنقاذ حيث لم يراع تأثيرات تغير نمط تدفق النيل على مجتمعات الزراعة التقليدية شمال السودان وفي المقابل سد النهضة رغم تأثيره الإقليمي لم يسبب تهجيرا داخليا جماعيا وتم التعامل مع الأثر البيئي ببرامج محددة.
احدي عشر: شهادات دولية ودراسات منشورة:
أشار تقرير صادر عن منظمة الشفافية الدولية عام 2010 إلى أن:
((مشروع سد مروي يعد من أكثر المشاريع المائية غموضا من حيث العقود والتمويل في أفريقيا ويجب أن يكون نموذجا لما لا ينبغي أن يكرر
وفي دراسة نشرها المعهد الدولي للمياه في ستوكهولم (SIWI):
((سد النهضة على كل تعقيداته يمثل نموذجا للدولة التي تعبئ مواردها الداخلية لتنمية شاملة بينما سد مروي يظهر دولة ترضخ لمنطق الصفقات وتغيب فيها المؤسسات.
ثاني عشر: ما الذي يمكن أن نتعلمه من هذه المقارنة..؟
١/الرقابة البرلمانية والمجتمعية أساسية في المشاريع الكبرى.
٢/عدم ربط التنمية بالأنظمة السياسية ضرورة لتجنيب الدولة تبعات الفساد.
٣/إدماج الكوادر الفنية المحلية في كل مراحل المشروع يضمن الجودة ويمنع الاستفراد.
٤/المساءلة اللاحقة لا تقل أهمية عن الشفافية أثناء التنفيذ.
خاتمة:
حين تصبح المشاريع القومية مجرد وسيلة للتمكين فسد مروي رغم أنه رمز على الورق تحول إلى شاهد على فشل الدولة السودانية في الإدارة والرقابة بينما سد النهضة بكل الجدل الذي يحيط به يمثل نموذج دولة اختارت توظيف مشروع قومي لإنتاج حقيقي.
ويبقى السؤال المطروح:
كم من السدود ستبنى في السودان قبل أن تبنى دولة مؤسسات تحاسب و تراقب وتخطط بوعي وشفافية..؟
يملك السودان موردًا مائيًا غنيًا، وقاعدة بشرية، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيا، لكنه يُهدر إمكانياته تحت سطوة النهب واللامحاسبة.
أما إثيوبيا، فقدمت نموذجًا يمكن الاستفادة منه، رغم ما يحيط به من تحديات، أهمه أن رأس المال الحقيقي لأي مشروع ليس المال، بل الإرادة والنزاهة والشفافية.
فإلى متى ندفن رؤوسنا في رمال الشعارات، بينما تكشف المشاريع عن عورة فسادنا الممنهج؟

زر الذهاب إلى الأعلى