الأعمدة

” بين الخطاب الإعلامي والواقع السياسي: قراءة في تصريحات بكري المدني”

بقلم : المستشار معاوية أبوالريش

نشر الصحفي بكري المدني تصريحات حول إعادة تعيين الدكتور جبريل إبراهيم وزيراً للمالية، جاء فيها: “للمرة الثانية يتم تكليف الدكتور جبريل إبراهيم محمد وزيراً للمالية خدمة للشعب وللدولة في هذه المرحلة الحرجة. إمكانيات الدكتور جبريل كرجل دولة أكبر من وزارة، وقدرته على خدمة بلاده تتجاوز المالية إلى مواقع أعلى، ولكنها تقديرات قيادة الدولة. نعم البلاد في حاجة للدكتور جبريل في موقع أعلى وحركة العدل والمساواة في حاجة أكثر له لبناء التنظيم السياسي والتبشير ببرنامج العدل والمساواة كواحد من البرامج السياسية الأنسب للسودان حكماً ودولة، ولكن تقديرات القيادة لها تقديرها أيضاً والقائد جبريل لا يجد في نفسه حرجاً في خدمة بلاده من أي موقع وإن كان رتبة الجندي.”
هذه التصريحات تستدعي قراءة نقدية متأنية، خاصة عندما نضعها في سياق الأحداث الفعلية التي شهدتها عملية تشكيل الحكومة السودانية الجديدة. فالواقع السياسي يكشف عن صورة مختلفة تماماً عما يحاول الخطاب الإعلامي تقديمه، حيث شهدت الفترة الماضية خلافات حادة بين الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية جوبا للسلام ورئيس الوزراء المعين كامل إدريس حول توزيع الحقائب الوزارية.
كان إدريس يسعى لإحداث تغييرات جوهرية في العديد من الحقائب الوزارية كجزء من رؤيته لتشكيل ما أسماه “حكومة الأمل”، لكنه واجه مقاومة شديدة من الحركات المسلحة التي تمسكت بالحقائب التي كانت تشغلها سابقاً، بما في ذلك وزارة المالية التي كان يشغلها الدكتور جبريل إبراهيم. هذا التمسك لم يكن مجرد موقف عابر، بل كان موقفاً راسخاً أدى إلى تأخير إعلان الحكومة الجديدة لفترة طويلة، واستدعى تدخلاً مباشراً من قيادة الدولة لحسم هذه الخلافات.
إن فهم هذا التمسك الشديد بوزارة المالية تحديداً يتطلب النظر إلى الأهمية الاستراتيجية الاستثنائية لهذه الوزارة في النظام السياسي والاقتصادي السوداني. فوزارة المالية ليست مجرد وزارة حكومية عادية، بل تمثل العصب الرئيسي للسلطة الاقتصادية في البلاد، حيث تتولى إدارة الموارد المالية للدولة، والإشراف على السياسات النقدية والمالية، والتفاوض مع المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة. في بلد يواجه أزمة اقتصادية خانقة مثل السودان، تصبح وزارة المالية بمثابة بوابة الوصول إلى التمويل الدولي وبرامج الإغاثة الاقتصادية، وهو ما يجعل السيطرة عليها مسألة حيوية بالنسبة للقوى السياسية المختلفة.
هذا السياق يفسر لنا سبب التمسك الشديد للدكتور جبريل إبراهيم بهذا المنصب تحديداً، والذي يتناقض جذرياً مع الصورة التي يرسمها بكري المدني عن الاستعداد لخدمة البلاد من أي موقع “وإن كان رتبة الجندي”. فالحقيقة أن التحكم في وزارة المالية يعني التحكم في أهم أدوات السلطة الاقتصادية، وهو ما يمنح صاحبها نفوذاً سياسياً واقتصادياً هائلاً يتجاوز بكثير المناصب الوزارية الأخرى.
لفهم هذا الموقف بشكل أعمق، يجب أيضاً النظر إلى السياق التاريخي لاتفاقية جوبا للسلام التي وقعتها الحكومة السودانية مع الحركات المسلحة في عام 2020. هذه الاتفاقية لم تكن مجرد وثيقة لوقف إطلاق النار، بل كانت صفقة سياسية شاملة تضمنت ترتيبات دقيقة لتقاسم السلطة والثروة. من أهم بنود الاتفاقية تلك المتعلقة بتخصيص نسبة معينة من المناصب الحكومية للحركات المسلحة، بما في ذلك الحقائب الوزارية الأساسية. هذه الترتيبات لم تكن مجرد توزيع شكلي للمناصب، بل كانت آلية لضمان مشاركة الحركات المسلحة في إدارة الدولة والوصول إلى مراكز القرار الاقتصادي والسياسي.
في هذا الإطار، يمكن فهم تمسك حركة العدل والمساواة، التي يتزعمها الدكتور جبريل إبراهيم، بوزارة المالية كجزء من استراتيجية أوسع لتعزيز موقعها في النظام السياسي السوداني. فالحركة، التي نشأت في إقليم دارفور وخاضت صراعاً مسلحاً طويلاً ضد الحكومة المركزية، تسعى الآن إلى ترجمة قوتها العسكرية إلى نفوذ سياسي واقتصادي في الدولة الجديدة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن خطاب الحركة السياسي يركز بشكل كبير على قضايا العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، خاصة في المناطق المهمشة، وهو ما يجعل السيطرة على وزارة المالية أمراً بالغ الأهمية لتنفيذ هذا البرنامج.
لكن تحليل خطاب الحركة وممارساتها يكشف عن تناقضات واضحة بين الشعارات المعلنة والسلوك السياسي الفعلي. فبينما تتحدث الحركة عن العدالة والمساواة ومحاربة التهميش، نجد أن قياداتها تركز بشكل أساسي على الحصول على المناصب والمواقع في الدولة، وتتمسك بهذه المناصب بطريقة تشبه إلى حد كبير سلوك الأحزاب التقليدية التي تدعي مناهضتها. هذا التناقض يثير تساؤلات جدية حول مدى صدق الخطاب الإصلاحي للحركة، وما إذا كانت تسعى فعلاً لتحقيق التغيير الذي تدعو إليه، أم أنها تستخدم هذا الخطاب كغطاء للوصول إلى السلطة والاستفادة من مواردها.
في الواقع، فإن تصريحات قادة الحركة نفسها تكشف عن طموحات سياسية تتجاوز بكثير الخطاب الإصلاحي المعلن. فقد صرح الدكتور جبريل إبراهيم نفسه في أكثر من مناسبة عن رغبة الحركة في الوصول إلى قيادة الدولة السودانية، وطلب من أنصاره الاستعداد لحكم السودان كله. هذه التصريحات تكشف عن أن الأمر لا يتعلق بخدمة الوطن من أي موقع كما يدعي بكري المدني، بل بطموح سياسي واضح للوصول إلى قمة النظام السياسي، وأن التمسك بوزارة المالية هو جزء من استراتيجية أوسع لتحقيق هذا الهدف.
هذا التحليل يضع تصريحات بكري المدني في سياقها الحقيقي، ويكشف عن الفجوة الواسعة بين الخطاب الإعلامي المُزخرف والواقع السياسي المعقد. فالحديث عن “التكليف للمرة الثانية خدمة للشعب والدولة” يتجاهل حقيقة أن هذا التعيين جاء نتيجة لمساومات سياسية وتمسك بالمناصب، وليس بناءً على اعتبارات وطنية محضة. كما أن الحديث عن أن “إمكانيات الدكتور جبريل كرجل دولة أكبر من وزارة” يبدو متناقضاً مع الحرص الشديد على هذا المنصب تحديداً والرفض القاطع لأي بديل عنه.
إن هذا التناقض بين الخطاب والواقع يكشف عن إشكالية أعمق في التناول الإعلامي للأحداث السياسية في السودان، حيث يتم أحياناً تقديم الأحداث بصورة مثالية ومُزخرفة بعيداً عن السياق الحقيقي والدوافع الفعلية للأطراف المختلفة. فبدلاً من الحديث عن “تقديرات قيادة الدولة” كما يفعل بكري المدني، الأصح هو الإشارة إلى أن هذا التوزيع الوزاري جاء نتيجة لتوازنات سياسية معقدة ومساومات شاقة، وأن التزامات اتفاقية جوبا لعبت دوراً حاسماً في تحديد هذا التوزيع.
إن الشعب السوداني، الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية جسيمة، يحتاج إلى إعلام يقدم له الحقائق كاملة دون تجميل أو تضليل، ليتمكن من تكوين رأي مستنير حول الأحداث السياسية التي تؤثر على مستقبله ومستقبل بلاده. فالخطاب الإعلامي الذي يحاول إخفاء الصراعات السياسية الطبيعية وتقديم الأحداث بصورة مثالية لا يخدم المصلحة الوطنية، بل يساهم في تعميق الفجوة بين الواقع والخطاب، ويحرم المواطنين من حقهم في المعرفة والشفافية.
لذلك، فإن قراءة تصريحات بكري المدني تكشف عن ضرورة التعامل مع الخطاب الإعلامي بحذر ونقد، والبحث عن الحقائق وراء الكلمات المُزخرفة، والتركيز على النتائج والأفعال أكثر من الشعارات والخطابات. فالسياسة في جوهرها هي فن الممكن والتوازنات المعقدة، وليس مجرد خطابات وطنية رنانة، والإعلام الحقيقي هو الذي يكشف هذه التعقيدات بدلاً من إخفائها تحت غطاء التجميل السياسي.

زر الذهاب إلى الأعلى