في بلادٍ تُكتب سياساتها بالحبر السري وتُنفذ بالبندقية، يصبح تعيين رئيس وزراء حدثًا استثنائيًا، لا بوصفه مجرد قرار إداري، بل كإعلان نوايا في قلب معركةٍ مفتوحة على كل الجبهات: العسكرية، والسياسية، والإنسانية.
فحين جرى تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا للوزراء في السودان الغارق في أتون حرب منذ نحو عامين ونيّف، بدا القرار بمثابة صفعة سياسية مدوية لمليشيا الدعم السريع، ونقلة نوعية في مشهد مرتبك، يبحث عن مرجعية تنفيذية ذات شرعية. فقد مثّل ذلك التعيين خطوة تصحيحية نادى بها الحريصون على معافاة الوطن، وترسيخ سلطة مدنية تملك أدوات الفعل، بدلًا من إدارة الأزمة من وراء الستار.
لكن بعد خمسين يوما على هذا التعيين، ما تزال الحكومة الموعودة حبيسة الجدل حول التشكيلة الوزارية. وتحوّلت الصفعة التي تلقتها قوى التمرد إلى نكسة صامتة لجهود الاستقرار، وعقبةً إضافية في طريق إعادة الإعمار وبناء السلام المجتمعي. فبدل أن تكون حكومة إدريس بوابةً لتثبيت السلطة، صارت عثرةً جديدة في طريقها.
وعلى الرغم من الثقة الواسعة في خطط الجيش لإدارة معركة الكرامة والتحرير بكفاءة عسكرية مشهودة، إلا أن ارتباك القرارات التنفيذية، وغياب الحسّ السياسي في بعض المواقف، أضعف من رصيد الثقة الشعبي في الأداء العام. وقد بات واضحا أن المعركة السياسية لا تقل أهمية عن نظيرتها العسكرية، وأن نجاح الأولى يتطلب حكومة كفؤة ومستقلة، تنسّق استراتيجياً مع القيادة العسكرية، دون أن تقع أسيرة لتوجيهاتها اليومية.
فكثير من الانتصارات الميدانية قد تذهب سُدى إن لم تُترجم إلى قرارات سياسية رصينة، وإدارة مدنية راشدة، تتقدّم بخطى متوازنة مع تضحيات الجبهات. وهنا، تكمن أهمية أن تتشكل حكومة قادرة على حمل تركة مثقلة بالتحديات، من أبرزها:
أولًا: إدارة الحرب، إذ لم تُحسم المواجهة مع مليشيا الدعم السريع بعد، والجيش بحاجة إلى غطاء سياسي يعزّز من شرعيته في الداخل، ويمنحه سندًا في المحافل الدولية.
ثانيًا: إنقاذ الاقتصاد، حيث يعيش السودان تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، تُهدد الأمن المجتمعي، وتُغذي بيئة الانفلات والتهريب والفساد.
ثالثًا: استعادة الشرعية الشعبية، فالثقة بين المواطن والجسم التنفيذي في أدنى مستوياتها، وتحتاج إلى ترميم شامل يبدأ بمكافحة الفساد، ويشمل إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس شفافة ومسؤولة.
رابعًا: الوضع الإنساني المتدهور، إذ تقع على الحكومة المقبلة مسؤولية التعامل مع أزمات النازحين، وضمان وصول الإغاثات، وتوفير الحدّ الأدنى من الحماية للمدنيين.
لكن العقبة الجوهرية لم تكمن فقط في طبيعة التحديات، بل في معادلة التوازنات الدقيقة التي يخضع لها تشكيل الحكومة. فالتعيينات الوزارية في السودان ليست مجرد توزيع للمناصب، بل مرآة تعكس موازين القوى وتفضح النوايا المستترة. في لحظة الحقيقة، تتساقط شعارات «الاستقلالية»، وتظهر الصفقات التي حيكت في الكواليس، لترسم ملامح السلطة الجديدة.
ويبدو أن الدكتور إدريس، في تشكيل حكومته، يسير فوق حبل مشدود بين قناعاته بتشكيل حكومة تكنوقراط وبين مقتضيات التوازن السياسي. فوجود شخصيات محسوبة سابقًا على حاضنة حكومة حمدوك، لا يعكس عودة ذلك التحالف، بقدر ما يمثّل محاولة لتطمين المجتمع الدولي دون استفزاز الداخل – خصوصًا الجيش والتيارات الإسلامية. أما الإسلاميون، فرغم اعتماد البرهان الكبير على قواعدهم في الاستنفار العسكري والإعلام والعمل التنفيذي، إلا أنه يتجنّب تمكينهم الكامل، مكتفيا بمسافة «الدعم بلا تمكين».
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الصيغة غير المعلنة التي تحكم العلاقة بين البرهان وإدريس: لا مكان للإسلاميين في الواجهة التنفيذية، ولا عودة للحاضنة الحزبية القديمة دون ضوابط، بل حكومة هجينة تضم تكنوقراطًا، وحركات مسلحة، وبعض رموز خفّفت من عدائها للجيش، إلى جانب تمثيلات جهوية وصوفية، تستبطن خريطة التوازنات السودانية المعقدة.
أما البرهان نفسه، فيواصل لعبته المزدوجة: يغازل الداخل بشعارات السيادة، ويخطب ودّ الخارج برسائل «اعتدال» محسوبة. يدرك تماما أن «شرعية المجتمع الدولي» تمر عبر واشنطن، لا عبر موسكو، وأن دعم العواصم الخليجية يتطلب خطابًا متزنًا، لا يُغضب هذه ولا يستفز تلك. لذا، فإنه يبدو ميّالًا – أو مضطرًا – لتقديم تنازلات جزئية في التعيينات، دون أن يفرّط في أوراقه الداخلية.
ورغم محاولات البعض حثّه على التوجه شرقًا نحو موسكو، فإن البرهان ما زال يراوح في مربّع التردّد، خشية استعداء واشنطن التي لم تُخفِ تساهلها مع مليشيا حميدتي، من خلال تغاضٍ دبلوماسي يثير كثيرًا من الريبة.
في نهاية المطاف، لن يكون بوسع البراغماتية وحدها أن تؤسس دولة أو تنهي حربا أو تبني ثقة. وإذا كان البرهان يراهن على لعبة الزمن واستنزاف الخصوم، فالسؤال الحتمي يبقى: ماذا لو نفد الوقت، وارتدّت كل خيوط اللعبة عليه؟



