الأعمدة

سيناريو السودان:

بقلم : الدكتور كمال محمد الامين عبد السلام
لو كان الطيب صالح موجود بيننا اليوم، لنظر إلى السودان نظرة الفيلسوف المتأمل في مسار التاريخ، وقال بأسلوبه الساخر الحكيم: “ها هو التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، ولكن هذه المرة بوجوه جديدة وأسلحة أكثر فتكاً”.
المشهد الراهن: حرب بلا وجه
السودان اليوم يشهد حرباً غريبة.. حرب بين جيش نظامي وقوات دعم سريع، لكن الحقيقة الأعمق أن هذه حرب بين مشاريع مختلفة لمستقبل البلاد. الجيش السوداني يحاول استعادة السيطرة على العاصمة الخرطوم، بينما قوات الدعم السريع تتوسع في دارفور وتستخدم تكتيكات تذكرنا بأساليب سابقة عرفناها في أماكن أخرى.
الإسلاميون: عودة الأشباح
في هذا المشهد المعقد، يبرز السؤال الأهم: أين الإسلاميون؟ وما مصيرهم؟
الإسلاميون في السودان يعيشون اليوم في حالة من “الليمبو” السياسي. فالنظام الذي حكموه لثلاثة عقود سقط، والثورة الشعبية أسقطت رموزهم، والحرب الدائرة تهدد بقاءهم السياسي كلياً.
لكن هنا يكمن الخطر الحقيقي.. فالإسلاميون، كما تشير التحليلات الغربية والإسرائيلية، لن يختفوا بسهولة. إنهم يعيدون تنظيم أنفسهم في الظل، ويحاولون اللعب على الطرفين. بعضهم يدعم الجيش السوداني، وآخرون يراهنون على قوات الدعم السريع.
الأخطر من ذلك، أن تنظيمي القاعدة وداعش يحاولان استغلال الفوضى. داعش أصدر دعوة صريحة للجهاد في السودان، واصفاً أطراف الصراع بـ”الكفار”. هذا التطور يشير إلى أن السودان قد يواجه مشكلة إرهابية جديدة تضاف إلى معاناته الحالية.
سيناريوهات المستقبل
السيناريو الأول: الانقسام الليبي
السودان يتجه نحو انقسام فعلي إلى دولتين، كما حدث في ليبيا. الجيش السوداني يسيطر على الخرطوم وشرق البلاد، وقوات الدعم السريع تهيمن على دارفور وأجزاء من الغرب. في هذا السيناريو، يحاول الكيزان وبقيادتهم الفعلية لهذه الحرب العودة ” تحت شعار جيش واحد شعب واحد ” مستغلين بساطة جزء مقدر من أهل السودان الذين لم يمارسوا العمل السياسي في حياتهم ويتلاعبون بعدادات عقولهم التي تصدق كل شي ويحاولون العودة للسلطة كقوة مؤثرة في الأجزاء التي يسيطر عليها الجيش، مستغلين الحاجة إلى الشرعية الدينية.
السيناريو الثاني: الانتصار العسكري
الجيش السوداني ينتصر ويستعيد السيطرة على معظم البلاد. هنا، سيواجه الإسلاميون تصفية حسابات قاسية، وقد يجبرون على الاختفاء من المشهد السياسي لسنوات. لكن التاريخ يعلمنا أن الحركات الإسلامية لا تموت، بل تتكيف وتعود بأشكال جديدة.
السيناريو الثالث: الفوضى الدائمة
استمرار الحرب لسنوات، مع تفتت السودان إلى كانتونات مختلفة. هذا السيناريو الأسوأ سيكون بيئة خصبة للجماعات الإرهابية، وقد يجد الإسلاميون أنفسهم في تحالف مع قوى متطرفة أكثر راديكالية.
أمل الوقف: هل يمكن إنهاء الحرب؟
الحقيقة المرة أن فرص وقف الحرب في المدى القريب ضئيلة. الطرفان لا يزالان يؤمنان بإمكانية الانتصار العسكري، والمجتمع الدولي منقسم في تعامله مع الأزمة.
لكن هناك بارقة أمل في دور القوى المدنية، خاصة حركة “صمود”. هذه الحركة تمثل الوجه الجديد للمقاومة السودانية، وقد تكون القوة الوحيدة القادرة على تقديم بديل حقيقي للعسكريين.
دور القوى المدنية والحركات الشعبية
حركة “صمود” وغيرها من القوى المدنية تواجه تحدياً مضاعفاً: من جهة، عليها مقاومة العسكريين من الطرفين، ومن جهة أخرى، عليها تقديم رؤية سياسية قابلة للتطبيق.
هذه القوى تمثل الأمل الحقيقي في بناء سودان ديمقراطي، لكنها تحتاج إلى دعم دولي حقيقي، وليس مجرد تصريحات دبلوماسية.
المجتمع الدولي: بين المصالح والمبادئ
المجتمع الدولي يتعامل مع السودان بمنطق المصالح أكثر من المبادئ. الولايات المتحدة تركز على محاربة الإرهاب، وروسيا تريد موطئ قدم في البحر الأحمر، والصين تهتم بالموارد الطبيعية.
إسرائيل، كما تشير التحليلات، تلعب دوراً خفياً في الأزمة. فهي تريد سوداناً ضعيفاً غير قادر على دعم أعدائها، لكنها في نفس الوقت تخشى من فوضى تامة قد تؤدي إلى ظهور جماعات إرهابية جديدة.
ختاما:
السودان يعيد تذكيرنا بأن التاريخ لا يرحم الشعوب التي تتصارع على الماضي وتنسى المستقبل”.
المأساة السودانية ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات سياسية خاطئة تراكمت عبر عقود. الحل يكمن في عودة الشعب السوداني إلى قيم ثورته الأولى: الحرية والسلام والعدالة والعسكر للثكنات والجنجويد يتحل .
أما الإسلاميون والمتطرفون، فمصيرهم مرتبط بقدرة القوى المدنية على تقديم بديل حقيقي. إذا نجحت هذه القوى، فسيجد المتطرفون أنفسهم في مزبلة التاريخ. وإذا فشلت، فقد يعود السودان إلى نقطة الصفر، أو أسوأ.
التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تختار الحرب على الحوار، والعنف على السلام، تدفع ثمناً باهظاً. والسودان اليوم على مفترق طرق: إما أن ينتصر على شياطينه الداخلية، أو يغرق في دوامة العنف لسنوات قادمة.
“الحكمة ليست في معرفة المستقبل، بل في فهم الحاضر والتعلم من الماضي”

زر الذهاب إلى الأعلى