بقلم / نزار عثمان
تبدو رياح التهدئة في غزة هذه المرة، أكثر نُضجاً من سابقاتها. فالمحادثات التي كانت تنهار دائماً على أعتاب النهاية، بدت كما لو أنها وجدت لحظةً مختلفة. بالأمس، كانت واشنطن بقبضة دونالد ترامب مؤمنة بأن القوة وحدها تصنع السلام، وكان بنيامين نتنياهو يسابق الوقت ليحمي مقعده من زلزال الفساد، فيما كانت حماس تفتش عن صيغة تقلل من شدة نزفها.
اليوم تغيّرت المعادلات. ترامب، العائد إلى المشهد، أدرك أن السلام
الذي يُفرض بالقوة قد ينجح في الخطابات، لكنه ينهار تحت أنقاض المشاهد الإنسانية المتكررة في غزة. اقتربت الحرب من عامها الثاني دون أن تثمر، وكل صورة لطفل أو منزل منهار تخصم
من رصيد رجل يطمح إلى جائزة نوبل.
وفي مشهد لم يخلُ من رمزية، دخل نتنياهو اليوم (9 يوليو) إلى البيت الأبيض من الباب الخلفي، المخصص لترامب فقط، في إشارة إلى “قوة العلاقة”، كما روّجت قنوات مقربة من اليمين الأميركي والإسرائيلي. لكن خلف الأبواب، وعلى مدار ساعتين من النقاش الصعب، مارس ترامب ضغوطاً كبيرة على ضيفه، في محاولة لانتزاع موافقة على تهدئة قد تعيد خلط أوراق اللعبة. انتهى اللقاء دون بيان مشترك، في دلالة لافتة على خلافات كامنة، رغم الابتسامات الدبلوماسية.
نتنياهو، استوعب أن غزة لا تُكسر بالعسكر. الأسرى لا يعودون بالصواريخ، وإزاحة حماس لا تُنجَز عبر الاجتياح.
تعب الجنود، وانكشف العجز عن فرض السيطرة، وتكرست القناعة بأن التسوية، لا المدافع، هي السبيل لتغيير المعادلة.
ومع أن اللقاء مع ترامب ركّز على التهدئة، فإن نتنياهو لا يزال يصرّ على مسارات عسكرية، منها البقاء في ممر موراغ جنوب القطاع، فيما يعرف بـ”فيلادلفيا 2″، ما قد يعيق تنفيذ خطته بإنشاء “مدينة إنسانية” هناك.
الهدنة المقترحة – ستين يوماً من التنفّس السياسي – صيغت لتناسب مثلثاً هشًّا: ترامب، ونتنياهو، وحماس.
ترامب يريد أن يعود إلى البيت الأبيض وفي يده ورقة تهدئة، حتى ولو لم يكن هو من وقّعها. فبعد مشاركته في حرب إسرائيل مع إيران، وتراجع الملف الأوكراني، بات بحاجة لصورة جديدة: رجل السلام في غزة. وإن دخلت بلاده كضامن، استعاد زمام المبادرة، واستطاع الادّعاء بأن القوة أجبرت حماس على الجلوس إلى الطاولة. وقد كشفت تقارير أميركية وإسرائيلية أن ترامب يسعى لإشراك الأمم المتحدة كجهة موثوقة لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى القطاع، ضمن ترتيبات تحفظ ماء وجهه وتُرضي مؤيديه.
نتنياهو، من جهته، يسابق الانهيارات داخل حكومته. يدرك أن مناوراته استُهلكت، وأن ما بعد إيران ليس كما قبلها. لذا، وافق على التهدئة لكن بشروطه: إعلان الضم في الضفة الغربية، تأكيد الرفض الكامل لقيام “حماسستان” في القطاع، والإبقاء على اليد العسكرية ممدودة فوق الزناد. لا توقيع قبل أن تظل بندقية الحرب مُشهرة. لقاء واشنطن لم يُغيّر هذه الثوابت، لكنه أضاف إليها قلقاً من غضب ترامب، الذي قد يتحوّل من حليف إلى عبء انتخابي.
هو أيضاً بحاجة إلى تهدئة تحميه من غضب ذوي الأسرى، وتؤجل استحقاق المحاكمة الذي يزحف نحوه بلا هوادة. وربما يجد في ترامب من يمنحه “عفواً غير معلن”، يفتح له باب البقاء أطول على خشبة المسرح.
وفي الزاوية الثالثة من المثلث، تقف حماس… مثقلة ومنهكة. فقدت أوراقها، إلا واحدة: الأسرى. تدرك أن فقدانها يعني السقوط في الفراغ، وأن الرهان على تغيرات خارجية أو انتفاضات داخلية في إسرائيل لعبة خاسرة. لم تعد تملك ترف الشروط، وكل يوم إضافي في الحرب يزيد الخسائر. التهدئة ليست خياراً بل طوق نجاة.
الدلائل تؤكد أن غزة مقبلة على مرحلة جديدة… مرحلة إدارة الأزمة بدل إدارتها للحرب. مستقبل حماس الإداري في القطاع يبهت، وسلاحها الخفيف موضوع تفاوض لا تفاخر. المطلوب الآن: قدرة على التفاهم الفلسطيني، وشجاعة لالتقاط اتفاق الضرورة، وجرأة لحقن بعض الحياة في جثة القضية.
إسرائيل، كعادتها، مستعدة لخوض مفاوضات طويلة، تُمعن فيها في التفاصيل حتى تُربك الخصم وتمزّقه بالملل. أما الفلسطينيون، فتائهون وسط عجز القيادة، وتراكم اليأس، وغياب المشروع.
التهدئة ضرورة. ضرورية لترامب الباحث عن صورة جديدة. ضرورية لنتنياهو الذي يواجه شبح السقوط. ضرورية لحماس التي تعبت من الرقص على حافة الهاوية. وضرورية لفلسطين التي تختنق، وغزة التي تنزف، وقضية تكاد تُعدَم وسط ضجيج الحروب الأخرى.
ربما آن أوان التهدئة…
ليس لأنها عادلة، بل باعتبارها الممكن الوحيد. لكن، رغم كل المؤشرات، تبقى الهدنة حبراً على نوايا معلّقة. ففي الكواليس، لا تزال الشكوك طاغية، والثقة بين الأطراف شبه معدومة.
ترامب، الذي يوزّع الوعود كما يوزّع العقوبات، لا يُراهن عليه كضامن حقيقي، ونتنياهو لا يعرف إلا لغة الوقت الضائع. أما حماس، فتمسك بخيط الأسرى كأنه خشبة نجاة أخيرة في بحرٍ هائج.



