الأعمدة

عسكرة الدولة وتمليشها في مصلحة من يصب..؟ وماذا سيستفيد الشعب والوطن..؟

#المستشار/#مهيد شبارقة
حين تتحول الدولة إلى ساحة صراع بين البندقية والمليشيا..!!!
فمنذ استقلال السودان في عام 1956 تعثر بناء الدولة المدنية الحديثة وتغلبت موازين القوة العسكرية على المؤسسات السياسية والبيروقراطية المدنية ومع تعاقب الانقلابات العسكرية وترسخ النظم الشمولية شهد السودان ما يمكن تسميته #بـعسكرة الدولة أي (#إحلال العقلية العسكرية محل البنية المدنية) ثم لاحقا ما هو أخطر(#تمليش الدولة) عبر تضخيم نفوذ كافة المليشيات داخل أجهزة الحكم والثروة والأمن وهو مسار بلغ ذروته في الحرب الكيزانية العبثية المندلعة منذ 15 أبريل 2023 لكن السؤال الجوهري هو:
#لمصلحة من تعسكر الدولة وتملّش..؟ #وهل تستفيد الدولة فعلا من هذه الهيكلة أم أنها تعمق الانهيار الشامل لمؤسساتها وسيادتها..؟
#اولا: العسكرة منذ انقلاب عبود والى برهان ظلت مؤسسة الجيش فوق الوطن
فمنذ انقلاب الفريق /إبراهيم عبود (1958) ثم نميري (1969) إلى انقلاب البشير (1989) وأخيرا انقلاب 25 أكتوبر 2021 بقيادة البرهان وحميدتي ظل الجيش هو #اللاعب الأبرز في توجيه مسار الدولة ولم تستخدم المؤسسة العسكرية فقط لحماية الحدود أو الدفاع عن السيادة بل لتأمين السلطة السياسية والاقتصادية للجنرالات ومن يدور في فلكهم..!!
فالعسكرة هنا ليست مجرد وجود ضباط في السلطة بل سيادة منطق القوة واحتقار المدنيين والتمييز ضد الكفاءة لصالح الولاء العسكري فالوزارات تدار بمنهج الثكنات والتعيينات تخضع لموازنات أمنية والسياسات تفرض بالبيان رقم (1) لا عبر صناديق الاقتراع.
#ثانيا: التمليش حين يصبح السلاح الخاص أكثر نفوذا من الجيش:
لكن ما بعد البشير شهد قفزة نوعية لم تعد السلطة حكرا على الجيش النظامي بل تقاسمتها مليشيات مسلحة أبرزها (#قوات الدعم السريع) حيث منح النظام البائد هذه المليشيات شرعية سياسية واقتصادية تمددت من دارفور إلى العاصمة بل تسللت لمفاصل الدولة كقوة أمنية رديفة ولكن خارج هرم القيادة العسكرية الرسمي وتكرس هذا النفوذ بوقوف (#حميدتي إلى جانب المدنيين في حكومة الثورة منعا لعودة تنظيم الكيزان الذي صنعه) ثم بانقلاب 2021 وصولاً الى تفجير الحرب بين (الجيش و/الدعم السريع)وكأنّ الدولة انقسمت بين بندقيتين:
واحدة ترتدي الزي الرسمي #وأخرى تحمل تراخيص السلطة دون دستور..!!
#ثالثا: ترى لمصلحة من تعسكر الدولة وتملش؟
والإجابة هي:
١/#لمصلحة جنرالات المؤسسة:
فالعسكرة والتمليش تعنيان تحكّم الجنرالات في المال والقرار والأرض وكافة الموارد وحتى السيادة الوطنية..!! فعبر عسكرة الدولة يستطيع الجنرال تعطيل البرلمان والسيطرة على القضاء وتجيير المؤسسات لخدمةأمنه الشخصي لا أمن الشعب والوطن.
٢/#مصلحة القوى الأجنبية:
فالدول المتدخلة في السودان خاصة بعض الدول الإقليمية وجدت في التمليش بيئة مثالية للتدخل دون المرور عبر الدولة الرسمية فبدلا من التعامل مع حكومة ذات مؤسساترسمية باتت تعقد الصفقات مع /قائد قوات لا مع /وزير مختص مما يسهل تمرير الأجندات.
٣/#مصلحة نخب الطفيليين:
فبعض رجال الأعمال وزعماء القبائل والساسة المرتبطين بمراكز القوة العسكرية وجدوا في هذا الوضع فرصة للثراء والابتزاز والسيطرةمستفيدين من غياب الرقابة واحتكار السلاح للنفوذ.
#ثالثا:ماذا ستستفيد الدولة..؟
#الإجابة الصادمة: هي لا شيء
فالدولة لاتستفيد من عسكرة بنيتها ولا من تمليش مؤسساتها بل إنها تخسر
الاستقرار فعسكرة الدولة تنتج الحروب لا مشاريع التنمية والدليل ٣٠ عام عجاف من النهب باسم الدين..!!
#فالشرعية لا تعترف الشعوب ولا العالم بدولة يحكمها السلاح وحده.
#والسيادة تدخل الدول الإقليمية والدولية يتم بسهولة عند ضعف المركز المدني.
#الاقتصاد حتما حيين تدار الموارد بالمليشيات ينهار الاستثمار وتنتشر السوق السوداء وتضعف الجباية الرسمية على المواطن.
#المواطنة تتحول الدولة إلى غنيمة للمسلحين فيما يشعر المواطن الأعزل بأنه مغترب داخل وطنه.
#رابعا:عواقب عسكرة الدولة وتمليشها على حاضر ومستقبل السودان:
١/#انهيار الدولة الحديثة:
فلا يمكن بناء جهاز خدمة مدنية كفء في ظل سيادة منطق الرتب العسكرية والموازنات الأمنية.
٢/#تعطيل التحول الديمقراطي: فالعسكر والمليشيات لايسلمون السلطة طوعا بل يرون في الديمقراطية تهديدا لنفوذهم ومصالحهم.
٣/#إدامة النزاعات الأهلية:
فالتمليش ينتج مليشيات أخرى مضادة في دارفور والشرق والجنوب مما يجعل السودان في حالة (#حرب دائمة).
٤/#تمزيق وحدة البلاد:
حين يشعر كل إقليم أن حصته تؤخذ بالقوة لانه لايملك سلاح يقاوم به سلطة المركز تتفكك الوطنية الجامعة ويعلو منطق التقسيم.
#خامسا:قراءات وتحليلات لخبراء سودانيين شهادات من قلب الأزمة
١/د.الصادق المهدي (رحمه الله) زعيم حزب الأمة القومي في إحدى أوراقه الفكرية (2018) افاد بأن:
(كل نظام عسكري يفسد الحكم لأنه يخلط بين أداة القوة وأداة الإدارة ويجعل القرارات لاتتخذ وفق مصلحة عامة بل وفق مزاج القوة المسيطرة فالسودان لامستقبل له إلا بسيادة مدنية المؤسسات ومهنية الجندية)
وتحمل هذه الشهادة من أحد أبرز قادة الفكر السياسي السوداني تعبيرا دقيقا عن مأزق العسكرة والتمليش إذ يرى المهدي أن القوة العسكرية بطبعها لا تصلح كأداة إدارة دولة لأنها تنفي التعدد وتقصي النقاش.
٢/د.خالد التيجاني النور صحفي ومحلل سياسي في مقال له بصحيفة “إيلاف” قال:
(حين تضعف الدولة المركزية تتمدد المليشيات ويختلط الحكم بالإتاوة والسلطة بالنهب وتصبح الدولة مجرد مظلة شكلية تدار من خارجها هذه ليست دولة بل حاضنة للفوضى)
وهذه المقاربة توضح أن التمليش ليس عرضا مؤقتا بل بنية بديلة للدولة تتغذى على الفوضى وتقتات من الحرب وتعيق أي مشروع وطني جامع.
٣/الفريق متقاعد صديق فضل خبير استراتيجي وأمني يقول:
(ليس كل وجود للجيش في الحكم يعني عسكرة مباشرة ولكن حين تختزل المؤسسات في مجلس عسكري أو لجنة أمنية فهنا الكارثة وما يحدث اليوم هو عسكرة كاملة وتمليش موازي وهو أخطر من حكم عسكري تقليدي)
ونجد يركز هذا الطرح على خطورة المزج بين عسكرة الدولة وتمليشها في آن واحد مما يخلق بيئة تنافس دموي لا مجرد استبداد بيروقراطي.
٤/بثينة إبراهيم دينار وزيرة سابقة لحكومة الفترة الانتقالية (عن شرق السودان) تقول:
(حين جلسنا على طاولة التفاوض كمدنيين كانت المليشيات أقوى منا ولديها مقاعد أكثر منا في لجان الأمن. لم نكن نحكم بل كنا شهودا على توزيع الدولة كغنيمة)
وهذا التصريح الصادم يكشف بوضوح أن ما سمي بالحكم المدني بعد الثورة كان مفرغا من مضمونه إذ كانت السيادة الفعلية بيد المليشيات المسلحة والقيادات العسكرية فقط واقتصر دور المدنيين على المشاركة ببعض الوزارات.
٥/عبد الباقي الظافر صحفي وكاتب عمود سياسي يقول:
(كلما تضخمت المؤسسة العسكرية خارج حدود مهامها تقلصت فرص الوطن في النهضة فلا أحد يفلح في البناء وهو يحمل سلاحا بيد وخريطة عينه على الموارد بيده الأخرى.
وفي تحليله الدقيق يرصد الظافر العلاقة العكسية بين تمدد العسكر وتمليش السلطة من جهة وبين إمكانية الإصلاح والبناء من جهة أخرى.
٦/د.أمين مكي مدني (رحمه الله) – ناشط حقوقي ورئيس سابق لكونفدرالية منظمات المجتمع المدني يقول:
(عسكرة القضاء وتمليش الأمن هما خطوتان أوليان في تحويل الدولة إلى عصابة نحن الآن نرى ذلك يتحقق علنا بعد 30 سنة من التمهيد)
وكلام مدني يعكس فهما عميقا لكيف يتم تقويض الدولة من الداخل عبر تفريغ مؤسساتها من وظيفتها العامة وتحويلها إلى أدوات قهر.
#الخلاصة:
لانجاة إلابمدنية الدولة ومهنية السلاح فإن العسكرة والتمليش ليسا قدرا محتوما بل خيارات نخبوية لفرض النفوذوما لم يعَاد هيكلة المؤسسة العسكرية وفق قواعد مهنية ونزع سلاح كافة المليشيات وإعادة السلطة للشعب فإن الدولة ستتأكل وستحكم من خارج الحدود لذا فإن مدنية الدولة ليست شعارا فقط بل ضمانة للعدالة ولعودة الأمن ولإعادة الإعمار ولإعادة الاعتبار لمفهوم الوطن ذاته أما استمرار العسكرة فهو باختصار: (وصفة لتفتيت السودان ولاية ولاية تحد بند التهميش).

زر الذهاب إلى الأعلى