الأعمدة

الانقلاب والعدالة المختطفة : كيف عطّل العسكر بناء مؤسسات الحكم الانتقالي واستولوا على الدولة؟

محمد الفاتح حضرة
#منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، سلك المكون العسكري، بقيادة عبد الفتاح البرهان، نهجًا ثابتًا هدفه تعطيل مؤسسات الحكم الانتقالي، ومنع قيام نظام قانوني وقضائي مستقل، يضع حداً لحقبة الإفلات من العقاب، ويمهّد لبناء الدولة المدنية الديمقراطية.
#هذا النهج في تقديري لم يكن عشوائيًا، بل تم بإتباع سياسة ممنهجة لتجميد كل مفاتيح الانتقال الحقيقي، بدءًا من السلطة التشريعية، مرورًا بالقضاء والنيابة، ووصولًا إلى المحكمة الدستورية، التي كان من المفترض أن تكون الضامن الأعلى للوثيقة الدستورية نفسها.
🧱 تغييب المجلس التشريعي:
#أولى الضربات
#أولى خطوات الهيمنة تمثلت في تعطيل تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، الذي نصّت عليه الوثيقة الدستورية كأحد أعمدة الحكم خلال الفترة الانتقالية، وكمؤسسة رقابية وتشريعية أساسية.
#منذ توقيع الوثيقة في أغسطس 2019، لم يُشكّل المجلس، ورغم الوعود المتكررة، فإن انقلاب 25 أكتوبر دفن هذا الاستحقاق نهائيًا.
#وبذلك، ضَمن المكون العسكري الانفراد التام بإصدار القرارات والقوانين، دون مساءلة أو رقابة، وهو ما مكّنه من تمرير إجراءات جوهرية تُمكّن للسلطة الانقلابية دون معارضة مؤسسية.
⚖️ المحكمة الدستورية: المؤسسة المغيبة عمدًا
#كانت المحكمة الدستورية واحدة من أهم المؤسسات المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية، باعتبارها الحارس الأعلى للدستور، و#الجهة الوحيدة القادرة على:
🛑إبطال القرارات الانقلابية.
🛑حماية الحقوق والحريات.
🛑الفصل في القضايا الدستورية والطعون.
#لكن لاحظ الجميع أنه ومنذ اليوم الأول للانقلاب، تم تجميد هذا الملف بالكامل!!!
#البرهان نفسه، حين كان رئيسًا لمجلس السيادة، تواترت الروايات كيف أنه ظل يرفض إدراج هذا الملف ضمن أجندة الاجتماعات، وكان يكرر أن “الرئيس هو من يحدد جدول الأعمال”، في إشارة واضحة إلى رغبته في #منع التداول حول الملفات المؤسِّسة للعدالة والدستور.
#وحتى الآن ورغم عديد الوعود والتعهدات المتكررة بإعادة تشكيل المحكمة، لم تُتخذ أي خطوات عملية !!!
#غابت المحكمة الدستورية عن السودان طوال السنوات الماضية، لتظل أبواب الطعن الدستوري والعدالة الدستورية مغلقة تمامًا.
🏛️ مجلس القضاء العالي والمجلس الأعلى للنيابة العامة:
#الباب المُغلق أمام عملية إصلاح المؤسسات العدلية والقضائية
#نصّت الوثيقة الدستورية كذلك على إنشاء مجلس قضاء عالٍ مستقل وآخر للنيابة العامة، يتولى:
🛑تعيين رئيس القضاء.
🛑إختيار النائب العام.
🛑الإشراف على شؤون السلطة القضائية والنيابة العامة.
#لكن كما حدث بشأن المحكمة الدستورية، تم تجميد هذا المجلس نهائيًا، واستُعيض عنه بتعيينات منفردة تمت بقرارات فوقية من العسكر الانقلابيين وشركائهم ، بعيدًا عن المعايير المؤسسية أو الترشيح من أجهزة مستقلة!!!
#هذه التعيينات تمت في بيئة سياسية مختلة، وفي ظل غياب المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية، ما أثار تساؤلات مشروعة حول مدى الاستقلالية الفعلية للسلطة القضائية والنيابة العامة في ظل هذا الواقع الانقلابي !!!
#لعل ذلك لا يعني بالضرورة الخضوع الكامل للسلطة القضائية والمؤسسات العدلية العامة لأية جهة سياسية أو عسكرية،و لكن بالتأكيد فإن افتقاد آليات الحوكمة والمساءلة جعل المؤسسات العدلية مكشوفة ضعيفةً أمام التأثير والتوجيه غير الدستوري !!!
الخنق المالي كأداة للهيمنة على القضاء.
#إلى جانب تعطيل المؤسسات العدلية، لجأ المكون العسكري إلى وسيلة أكثر خفاءً وخطورة للهيمنة على القضاء، #وهي التحكّم في الميزانيات وتقييد الموارد المالية اللازمة لتشغيل وإدارة الجهاز القضائي.
#فمنذ اندلاع الحرب، تعرضت مقار المحاكم ومكاتب تسجيلات الأراضي والادارات التابعة للمسجل العام للأراضي لدمار واسع.
#لكن بدلاً من أن تسارع الدولة إلى تخصيص ميزانيات طارئة لإعادة إعمارها، تُركت السلطة القضائية بلا دعم مالي مركزي كافٍ، واضطرت السلطة القضائية الي اللجوء إلى ولاة الولايات – الذين يعينهم العسكر – لطلب المساعدة في إعادة إعمار المحاكم وتأهيلها!!!
#ويلاحظ المواطنون اليوم، في ولاية الخرطوم تحديدًا، الحضور الدائم لوالي الولاية بزيِّه العسكري في كل مشاهد افتتاح المحاكم ومكاتب تسجيلات الأراضي، وكأنما هذه المؤسسات قد أصبحت “تابعة” له وللسلطة التنفيذية وللعسكر الانقلابيين!!!
#هذا الأمر دون شك يمس ويؤثر علي استقلالية القضاء (معنويًا) ، ويفرض عليه واقعًا مريرًا من التبعية المالية والإدارية !!!!
🧨 السلطة التنفيذية:
احتكار التعيين والقرار
#أحد أخطر التحولات التي أعقبت انقلاب 25 أكتوبر، هو هيمنة المكون العسكري على تعيين رئيس الوزراء، وتشكيل حكومات غير مفوّضة شعبيًا أو متوافق عليها وطنيًا.
#في التعديلات التي لحقت بالوثيقة لاحقًا، أصبح تعيين رئيس الوزراء يتم بقرار من رئيس مجلس السيادة أو بالتوافق داخل المجلس، الذي يغلب عليه المكون العسكري الانقلابي وشركائه في الإنقلاب خاصة من جماعة قوي الحرية والتغيير جماعة دارفور ومجموعات إعتصام الموَّازة إخوة التوم هجو وجماعة مايسمي بالتيار الإسلامي العريض !!!
#وهكذا، أصبح المكون العسكري يتحكم فعليًا في قمة الجهاز التنفيذي وكل أجهزة الدولة ، دون أي تفويض انتخابي أو رقابة تشريعية أو قضائية.
التضليل الإعلامي والانقلاب على الوعي
#لم يكتفِ المكون العسكري بتعطيل المؤسسات الانتقالية في الواقع، بل لجأ إلى حملة تضليل إعلامي ممنهجة عبر واجهاته الصحفية والتلفزيونية ومنصاته الإلكترونية، بهدف تحميل قوى الثورة – وعلى رأسها قوى الحرية والتغيير – مسؤولية تأخر أو فشل تشكيل مؤسسات الحكم الانتقالي.
#فبينما كان العسكر يسيطرون على القرار التنفيذي، ويمنعون إدراج ملفات العدالة ضمن أجندة الاجتماعات، كانت الآلة الإعلامية التابعة لهم تبث مزاعم متكررة بأن “المدنيين”#القحاطة، هم من يعرقلون تشكيل المجلس التشريعي ومجالس العدالة والإصلاح، في انقلاب على الحقيقة والوعي معًا !!!
خلاصة المشهد:
#منذ انقلاب أكتوبر 2021 وحتى اليوم، تمكّن العسكر الانقلابيون وشركاؤهم من تنفيذ هدفهم الاستراتيجي وهو الآتي:
🛑#تعطيل السلطة التشريعية.
🛑#تعطيل السلطة القضائية.
🛑#التحكّم في السلطة التنفيذية.
🛑#شلّ النيابة العامة.
🛑#تقييد السلطة القضائية ماليًا وإداريًا.
🛑#تشويه قوى الثورة إعلاميًا.
#وبذلك، تحوّل السودان من بلدٍ في طور الانتقال الديمقراطي، إلى دولة تم تفكيك مؤسساتها العدلية والتشريعية بالكامل، ووُضعت تحت إدارة سياسية وعسكرية لا تخضع لأي مساءلة أو مراجعة..
الختام:
#إن مقاومة هذا النهج لا تكون فقط برفض الحرب أو دعم السلام أو إنهاء الإنقلاب، بل تبدأ أولًا بالمطالبة الجادة بإعادة بناء مؤسسات الحكم على أسس دستورية سليمة مثل :
🛑#تشكيل المحكمة الدستورية فورًا.
🛑#إنشاء مجلس قضاء عالٍ مستقل.
🛑#استعادة السلطة المدنية لسيطرتها الكاملة على الجهاز التنفيذي.
🛑#إستكمال تشكيل المجلس التشريعي ليعود للشعب صوته ورقابته بإذن الله ومشيئته.

زر الذهاب إلى الأعلى