الأعمدة

” الاتفاق السياسي الإطاري السوداني: الحقيقة المخفية وراء الحرب العبثية”

بقلم : المستشار معاوية أبوالريش
يُعد الاتفاق السياسي الإطاري السوداني واحداً من أهم الوثائق السياسية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، والذي كان يهدف إلى وضع أسس قوية لانتقال ديمقراطي حقيقي في السودان. إلا أن هذا الاتفاق واجه معارضة شديدة من قبل فلول النظام البائد والحركة الإسلامية، مما أدى في النهاية إلى تنصل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عن التزاماتهما، وإشعال حرب عبثية راح ضحيتها آلاف السودانيين وشردت ملايين آخرين. إن أغلب السودانيين لم يطلعوا على بنود هذا الاتفاق الإطاري ولا يعرفون شيئاً عن مضامينه، مما جعلهم عرضة للتضليل والخداع من قبل الحركة الإسلامية وفلول النظام البائد الذين روجوا أكاذيب حول الاتفاق لحماية مصالحهم الضيقة والإفلات من العدالة والمحاسبة.
يؤسس الاتفاق لرؤية شاملة للسودان الجديد تقوم على عدة ركائز أساسية تمثل نقيضاً تاماً لما كان يدعو إليه النظام البائد ومبادئه الإقصائية. فالاتفاق يؤكد على وحدة وسيادة السودان، مع الاعتراف بالتنوع الثقافي والإثني والديني واللغوي كمصدر ثراء وليس انقسام، وهو ما يتناقض تماماً مع النهج الإقصائي الذي انتهجته الحركة الإسلامية طوال عقود. كما ينص الاتفاق على أن السودان دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية برلمانية، مع التأكيد على حكم القانون والتداول السلمي للسلطة، وهو ما يقطع الطريق على أي محاولات للعودة إلى الحكم الشمولي الذي مارسته الحركة الإسلامية لأكثر من ثلاثة عقود.
يضع الاتفاق المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، مع ضمان المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز على أي أساس، وهذا المبدأ يهدد بشكل مباشر مصالح من استفادوا من التمييز في النظام البائد ويضع حداً لسياسات الإقصاء والتهميش التي مارستها الحركة الإسلامية. كما يؤكد الاتفاق على كفالة الحريات والالتزام بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، وحماية المبادئ الداعمة لحريات العمل النقابي والطوعي وحريات التجمع السلمي والتعبير والحصول على المعلومات.
من أهم بنود الاتفاق ما يتعلق بالإصلاح الأمني والعسكري، حيث يدعو إلى تكوين جيش مهني قومي واحد يحمي حدود الوطن والحكم المدني الديمقراطي وينأى بالجيش عن السياسة. كما يحظر الاتفاق مزاولة القوات النظامية للأعمال الاستثمارية والتجارية عدا ما يتعلق بالتصنيع الحربي والمهمات العسكرية تحت ولاية وزارة المالية، وينص على دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة وفق جداول زمنية محددة. هذه البنود تهدد بشكل مباشر الإمبراطوريات الاقتصادية الضخمة التي بناها قادة الأجهزة الأمنية من خلال استغلال مناصبهم لأغراض تجارية واستثمارية.
يؤكد الاتفاق على ضرورة تطبيق العدالة والعدالة الانتقالية من خلال إطلاق عملية شاملة تكشف الجرائم وتحاسب مرتكبيها وتنصف الضحايا وتبرئ الجراح وتضمن عدم الإفلات من العقاب وعدم تكرار الجرائم مرة أخرى. هذا البند يمثل الكابوس الأكبر لقيادات النظام البائد الذين ارتكبوا جرائم بشعة ضد الشعب السوداني، بما في ذلك المجازر والإبادة الجماعية والعنف الجنسي وكافة أشكال العنف ضد المرأة والتعذيب في المعتقلات السرية.
كما ينص الاتفاق بوضوح على ضرورة إزالة تمكين نظام 30 يونيو 1989 وتفكيك مفاصله في كافة مؤسسات الدولة، واسترداد الأموال والأصول المتحصل عليها بطرق غير مشروعة، ومراجعة القرارات التي بموجبها تم إلغاء قرارات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو. هذا يعني أن كل المستفيدين من نظام التمكين سيفقدون مصالحهم ومناصبهم ونفوذهم، وأن الأموال التي نهبوها ستُسترد للخزينة العامة.
في إطار هياكل السلطة الانتقالية، يحدد الاتفاق هيكلاً مدنياً بالكامل يقوم على مجلس تشريعي انتقالي مع ضمان تمثيل النساء بنسبة 40% والشباب ولجان المقاومة وذوي الإعاقة، ومستوى سيادي مدني محدود الصلاحيات يمثل رأساً للدولة ورمزاً للسيادة، وحكومة مدنية برئاسة رئيس وزراء تختاره قوى الثورة، ومجلس أمن ودفاع برئاسة رئيس الوزراء وليس العسكريين. هذا الهيكل يضمن أن تكون السلطة الانتقالية سلطة مدنية ديمقراطية كاملة دون مشاركة القوات النظامية، وهو ما يقطع الطريق على أي محاولات للعودة إلى الحكم العسكري.
السؤال المهم الذي يطرح نفسه هو: لماذا حاربت الحركة الإسلامية وفلول النظام البائد هذا الاتفاق بكل هذه الشراسة؟ الإجابة واضحة وبسيطة: لأن الاتفاق كان يهدد مصالحهم الاقتصادية والسياسية ويعرضهم للمحاسبة والعدالة. لقد بنت الحركة الإسلامية وفلول النظام البائد إمبراطوريات اقتصادية ضخمة من خلال السيطرة على الشركات الحكومية واستغلال القوات النظامية في الأعمال التجارية والاستيلاء على الأراضي والعقارات وتسخير الموارد العامة لمصالحهم الخاصة. الاتفاق الإطاري كان سيقطع الطريق تماماً على هذه الممارسات الفاسدة من خلال منع القوات النظامية من الأعمال التجارية ونقل الشركات المملوكة للأجهزة الأمنية لوزارة المالية واسترداد الأموال المنهوبة.
أكبر مخاوف قيادات النظام البائد كانت من بند العدالة الانتقالية الذي ينص على كشف الجرائم ومحاسبة مرتكبيها وإنصاف الضحايا وضمان عدم الإفلات من العقاب. هؤلاء القادة يعلمون تماماً أنهم ارتكبوا جرائم بشعة ضد الشعب السوداني، من مجازر دارفور إلى قتل المتظاهرين السلميين إلى التعذيب في المعتقلات السرية إلى نهب ثروات البلاد، ولذلك كانوا مستعدين لتدمير البلاد بأكملها لتجنب المحاسبة والعدالة. كما أن الاتفاق كان سيحرم الحركة الإسلامية من السيطرة على مؤسسات الدولة والتحكم في الأجهزة الأمنية واستخدام الدين كأداة سياسية والهيمنة على الموارد والثروات، وهذه الجماعة التي اعتادت على الحكم بالقهر والقوة لأكثر من ثلاثة عقود لم تكن مستعدة للتخلي عن السلطة بسهولة.
لذلك قامت الحركة الإسلامية بحملة منظمة ومدروسة لإجهاض الاتفاق الإطاري من خلال عدة محاور متداخلة. أولاً، شنت حملة تحريض وتضليل واسعة النطاق اتهمت فيها القوى المدنية زوراً بأنها وراء الحرب، وروجت لشعار مضلل “الحرب أو الاتفاق الإطاري” لتخيير الشعب بين خيارين، وحرضت الجماهير ضد الاتفاق من خلال استخدام وسائل الإعلام المؤدلجة والمنابر الدينية لنشر الأكاذيب والمغالطات حول مضامين الاتفاق. والشواهد على تسبب الحركة الإسلامية وفلول النظام البائد في قطع الطريق على توقيع الاتفاق الإطاري وإطلاقهم للرصاصة الأولى في الحرب كثيرة ومتنوعة، ومنها تصريحات بعض قياداتهم البارزة مثل تصريحات الناجي عبدالله والحاج آدم المبذولة على منصات التواصل الاجتماعي وفيديوهات كتائبهم التي أوضحت بجلاء مدى استعدادهم لإشعال الحرب والفتنة في البلاد. وقد برزت أبواقهم الإعلامية في سعيها المحموم لتضليل السودانيين بزعم أن قوات الدعم السريع هي من أطلقت الرصاصة الأولى، حيث زعم ذلك الصحفي الكذاب الأشر مزمل أبو القاسم عبر لقاءات وحوارات إعلامية مختلفة، في محاولة يائسة لإخفاء دور الحركة الإسلامية الحقيقي في إشعال هذه الحرب العبثية. ثانياً، استغلت نفوذها الواسع داخل القوات النظامية للضغط عليها من خلال إقناع قيادات الجيش بعدم تنفيذ الاتفاق وتأليب قوات الدعم السريع ضد الاتفاق وخلق التوتر بين المكونات العسكرية ودفع البلاد نحو الصراع المسلح بدلاً من الحلول السلمية. ثالثاً، عملت بمنهجية على تسعير الخلافات من خلال تعميق الخلافات بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع واستغلال الطموحات الشخصية لقادة الأجهزة الأمنية وتقديم وعود كاذبة لكسب الولاءات وخلق حالة من عدم الثقة بين الأطراف حتى تصل بهم إلى الاقتتال المدمر.
النتيجة المأساوية لهذه المؤامرة كانت حرباً عبثية دفع الشعب السوداني ثمنها الباهظ. على المستوى البشري، أدت الحرب إلى مقتل آلاف المدنيين الأبرياء وإصابة عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 6 ملايين سوداني داخل البلاد ولجوء الملايين خارج البلاد في ظروف إنسانية مأساوية. على المستوى الاقتصادي، تسببت الحرب في تدمير البنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية وتوقف الاستثمارات وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بشكل كارثي. أما على المستوى الاجتماعي، فقد أدت الحرب إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وتعميق الانقسامات وانتشار الكراهية والعنف وتدهور الأوضاع الإنسانية بشكل مأساوي يفوق الوصف.
أصحاب المصلحة الحقيقية في وأد الاتفاق الإطاري هم فلول النظام البائد بكل مكوناتهم وشبكاتهم الفاسدة. يشمل هؤلاء قيادات النظام البائد مثل عمر البشير وحلقته الضيقة وقيادات الحزب الحاكم السابق ورجال الأعمال المرتبطين بالنظام والمستفيدين من التمكين في جميع مؤسسات الدولة. كما يشمل شبكات الفساد الواسعة التي تضم تجار الحروب ومهربي الذهب والمخدرات والمتاجرين بالسلاح ومافيا الاقتصاد الطفيلي التي نهبت ثروات البلاد لعقود طويلة. ويدخل في هذه المجموعة أيضاً المتطرفون الإيديولوجيون الذين يشملون دعاة الدولة الدينية والمؤمنين بالتفوق العرقي ورافضي التعددية والديمقراطية والمعادين للحداثة والتطور، وهؤلاء جميعاً كانوا يعلمون أن الاتفاق الإطاري سيضع حداً لنفوذهم ومصالحهم وامتيازاتهم غير المشروعة.
لقد أثبتت الأحداث المأساوية التي تلت وأد الاتفاق الإطاري عدة دروس مهمة يجب على الشعب السوداني استيعابها جيداً. أولاً، أهمية الإصلاح الأمني الشامل، حيث أن عدم إصلاح الأجهزة الأمنية يمكن أن يؤدي إلى استغلالها من قبل القوى المضادة للديمقراطية وتحولها إلى أداة لقمع الشعب واستخدامها لحماية مصالح فئوية ضيقة بدلاً من خدمة الوطن والمواطنين. ثانياً، ضرورة العدالة الانتقالية الحقيقية، لأن عدم تطبيقها يؤدي إلى إفلات المجرمين من العقاب وتكرار الجرائم وفقدان الثقة في النظام السياسي واستمرار دورة العنف والانتقام. ثالثاً، أهمية الوعي الشعبي والتحصين ضد التضليل، حيث يجب على الشعب السوداني فهم مضامين الاتفاقات السياسية وعدم الانسياق وراء التضليل الإعلامي ودعم الخيارات الديمقراطية ومقاومة محاولات التراجع عن المكاسب الديمقراطية.
الاتفاق السياسي الإطاري كان يمثل فرصة ذهبية نادرة لبناء سودان جديد يسوده العدل والسلام والازدهار والكرامة الإنسانية لجميع المواطنين. لكن فلول النظام البائد والحركة الإسلامية، خوفاً من فقدان مصالحهم الضيقة والمحاسبة على جرائمهم البشعة، اختاروا أن يشعلوا فتيل حرب عبثية راح ضحيتها آلاف الأبرياء وشردت ملايين السودانيين وقطعت الطريق على آمال الشعب في التغيير والتقدم. إن فهم حقيقة من وقف وراء وأد هذا الاتفاق وأشعل هذه الحرب المدمرة أمر ضروري جداً لتجنب تكرار نفس الأخطاء في المستقبل وكشف الأكاذيب والمغالطات التي يروجها أعداء الديمقراطية. الشعب السوداني يجب أن يعي تماماً أن أعداء الديمقراطية والسلام والتقدم هم نفسهم الذين استفادوا من الاستبداد والفساد لعقود طويلة، وأنهم لن يتوانوا لحظة واحدة عن تدمير البلاد وإراقة دماء الأبرياء للحفاظ على مصالحهم الشخصية الضيقة. الطريق إلى السودان الجديد الذي يحلم به كل السودانيين يمر حتماً عبر إقامة العدل الحقيقي ومحاسبة جميع المجرمين دون استثناء وبناء مؤسسات ديمقراطية قوية وعادلة تخدم الشعب كله وليس فئة قليلة من المستفيدين والمنتفعين. وهذا بالضبط ما كان يهدف إليه الاتفاق الإطاري الذي ضحت الحركة الإسلامية وفلول النظام البائد بمستقبل البلاد كله ودماء الأبرياء لمنع تطبيقه والإفلات من العدالة التي يستحقونها.

زر الذهاب إلى الأعلى