إعتدنا كصحافيين أن لا نكتفي بنقل المعلومات كما هي، بل السعي من خلال طرح الأسئلة المعرفية و الموضوعية إلى تفكيك الواقع، والبحث في اغوار الأسئلة عن المعاني الكامنة خلف الظواهر، واستنطاق مصادر الحدث والمعرفة معا من زوايا متعددة، للوقوف على الحقائق والنهايات المحتملة.
فقد علمتنا التجارب التراكمية، أن تلك الأسئلة المعرفية تُعدّ من الركائز الأساسية في العمل الصحفي، إذ تشكل أداة فعّالة لاستكشاف الحقائق، وتفسير الأحداث، وفهم السياقات المختلفة ونتائجها.. وإنه دائما ما تنبع هذه الأسئلة من دوافع معرفية ومهنية تتصل بطبيعة الرسالة الإعلامية التي تهدف إلى تنوير الجمهور، ومساءلة السلطة، وتقديم سردية متوازنة قائمة على الاستقصاء والتدقيق .. ومن هنا، تتجلى أهمية فهم العلاقة بين نوعية الأسئلة التي يطرحها الصحفي والدوافع التي تحرّكه، سواء أكانت نابعة من التزام أخلاقي، أو فضول مهني، أو سعي لفهم أعمق للواقع .. ولهذا وجب علينا أن نتساءل كصحافيين : ما الذي (تمسكه) (المشتركة) على البرهان حتى تبتزه كل هذا الابتزاز ؟ .. وهل هناك فعل يمكن أن تقدم عليه (المشتركة) غير خروجها من بورتسودان ودخولها أودية دارفور وإعلانها التمرد على الحكومة من جديد؟ .. أليس ما تفعله المشتركة الآن هو التمرد بعينه، ولكن دون أن تطلق طلقة واحدة ؟ .
يقول علماء النفس:” لكي ينجح المبتزون يجب أن يعرفوا ما يخشاه الطرف الآخر .. وأضافوا : “غالبا ما يكون هذا الخوف عميق الجذور” .. فما الذي يخشاه (الثلاثي- البرهان والكباشي والعطا ) من (المشتركة) للدرجة التي أصبح فيها عميق الجذور؟ .
لقد كان من الطبيعي أن يرفض المارشال مني مناوي نتيجة الفحص الأمني لمرشحه لوزارة المعادن، فقد أخذ البرهان وزمرته وقتا طويلا في مماحكات (التحنيس) لجبريل ومناوي بالتنازل عن الوزارتين (النقاطة) وهم الذين اعتبروهما حقا مكتسبا (للمشتركة) و تعنت جبريل ومناوي للظفر بهما، وفي النهاية سلموها لهما صاغرين، فقد استطاعا أخذهما عنوة واقتدارا وهو ذات منطق الابتزاز الذي ظل حميدتي يمارسه مع البشير وزمرته للدرجة التي قال فيها على رؤوس الأشهاد مخاطبا قواته : (نحن من نسير السودان حسب مشيئتنا.. نحن الحكومة إلى اليوم الذي تمتلك فيه الحكومة جيشاً..”زي ما قلت ليكم البلد دي بلفها عندنا نحن أسياد الربط والحل مافي ود مرة بفك لسانو فوقنا مش قاعدين في الضل ونحن فازعين الحراية، نقول اقبضوا الصادق يقبضوا الصادق فكوا الصادق افكوا الصادق زول ما بكاتل ما عنده رأي- أي واحد يعمل مجمجه ياهدي النقعه والذخيرة توري وشها نحن الحكومه ويوم الحكومه تسوى ليها جيش بعد داك تكلمنا أرموا قدام بس) !! .
إنه نفس الهوان والذل الذي كانت تتعرض له الإنقاذ من حميدتي، أصبح يتعرض له الآن البرهان وزمرته من القوات المشتركة، ولكن المتضرر الحقيقي ظل ثابتا ولم يتغير وهما الشعب السوداني وقواته المسلحة، فقد ظلا يتجرعان الذل والهوان على يد قادة الأنظمة العسكرية المتلاحقة، الذين ظلوا يتركون كل من هب ودب ان يفعل ما يشاء بالشعب وقواته .. لقد بلغ الهوان بالقوات المسلحة من قِبلهُما درجة غير مسبوقة وذلك يوم ان انبرى القائد الميداني لقوات الدعم السريع آنذاك (العميد محمد حمدان حميدتي) للدفاع عن الجيش بقوله: البتكلم في القوات المسلحة بنقطع لسانو (جريدة التغيير 22/5/2014م).. والمضحك المبكي أن ما قاله حميدتي كان للتغطية وتعمية الرأي العام وصرفه عن سابق تصريحاته: (ديك النقعة والذخيرة التوري وشها) .
لقد كان خطاءا كبيرا يوم ان إنصاع البرهان، ووافق على طلبات (المشتركة) بتسليمهم وزارتي (المالية والمعادن).. فعاد الجميع لذات المربع الأول (حجوة الضبيبينة) التي كان يمارسها الدعم السريع .. ولكن هذه المرة مع (المشتركة) التي سلكت ذات الطريق الحافر على الحافر، وظلت تبتز البرهان وهو صاغرا لا حول له ولا قوة، ليستمر مناوي في ذات منهجه حتى بعد سقوط مرشحه في الفحص الأمني، ليقول :” ما عندنا غيروا وما بنغيروا” .
سيظل الوضع في بورتسودان هشا ويواجه بعشرات التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية، وستستمر حالة السيولة تلك في كل شيء، والتي تكاد أن تصل مرحلة الفوضى وتنتهي إلى نقطة اللاعودة..
شهور عديدة ظل الناس ينتظرون إحكام الدولة سيادتها بإنهاء تلك الهشاشة الأمنية والاقتصادية وعودة البلاد لوضعها الطبيعي، كما ظلوا ينتظرون أن يتم إسكان الوزراء في مناصبهم، فلا هذا تم ولا ذاك، بل تواصل الإنحدار في كل شيء وانحدرت معه حياة الناس بؤسا وفاقة، وتضعضعت أوضاع المواطنين الذين لا حول لهم ولا قوة، واصبحت عيشتهم أسوأ من الكفاف، سوى كان هؤلاء المواطنون نازحون أم مستقرون في مناطقهم، ولا يزال البرهان في مربع إختيار الوزراء من البريد الإلكتروني وتسكينهم وتحنيسهم وذاك (كوم) وابتزاز جبريل ومناوي (كوم) آخر .



