الأعمدة

هذه الحرب اخرجت أسوأ ما فينا من سخائم وبلاوي، وفتحت أبواب العنصرية والجهوية وخطاب الكراهية على مصراعيها.

أ.فيصل محمد صالح
لكل مقام مقال : المؤشرات على وجود انقسام مجتمعي حاد في بلادنا بسبب الحرب كثيرة ومتعددة. فقد أخرجت هذه الحرب أسوأ ما فينا من سخائم وبلاوي، وفتحت أبواب العنصرية والجهوية وخطاب الكراهية على مصراعيها.
لا تدور معارك الحرب في ميادين القتال العسكرية وحدها، فقد اشتعل أوارها في وسائل التواصل الاجتماعي، التي مكنت القادر وغير القادر، والمتربص والجبان المختفي خلف الأقنعة، وغيرهم، من خوض المعارك.. وهم في أمان، بعيد عن الاكتشاف والمحاسبة.
كتب بعض نشطاء التواصل الاجتماعي رسائل تهنئة لابنة زعيم سياسي راحل بمناسبة زواجها. الطبيعي هنا إما أن تشارك بالتهاني، لو رغبت، أو أن تتجاهل الأمر لعدم الاهتمام، أو لأي سبب آخر خاص بك، لكن ما حدث يجسد ما كتبناه في السطور السابقة امتلأت الصفحات بالسباب والشتائم المتبادلة حول المواقف السياسية لها ولوالدها الراحل، وانتقل الجدال للأصول العرقية لها ولغيرها وحتى لعريسها ومحاكمات متبادلة حول لماذا اختارت هذا العريس وهو من قبيلة مغايرة.. إلخ
صديقة أخرى كتبت عن شقيقها في ظلال مناسبة اجتماعية، لعلها زواجه أو شيء قريب من هذا وانحصر كل ما كتبته عن صفاته الشخصية وتعامله مع شقيقاته، وأنه حامي أخواته وضراهم وحلال مشاكلهم، بعد تعليقين ثلاثة انحرف النقاش المناقشة الاختيارات السياسية لشقيق الكاتبة ومحاكمة تاريخه ومواقفه، ولعلها ندمت على ما كتبته عن شقيقها.
المؤلم هنا ليس المواقف السياسية لزيد أو عبيد، لكن درجة الاحتقان والانقسام الاجتماعي الذي يتخطى كل الحدود، والذي لم تعد تضبطه أي قيم أخلاقية أو إنسانية، ولا محددات الذوق العام الذي يقول ببساطة إن هذا ليس المقام المناسب لمعظم ما قيل.
تلاشت كل القيم الداعية لاحترام خيارات ومشاعر الناس، ولم يعد مرعياً أن تحاول القول إن لكل مقام مقال وانتفى الذوق العام الذي كان يحكم جوانب كثيرة من حياتنا. علينا أن نبدأ كل شيء من جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى