بقلم .. مازن احمد
لطالما شكلت العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسياسة في السودان معضلة أساسية في مسيرة البلاد نحو الاستقرار والديمقراطية، فمنذ الاستقلال، تكررت الانقلابات العسكرية التي أطاحت بحكومات منتخبة، تحت ذرائع مختلفة، مما خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي وأعاق بناء دولة مدنية حديثة…
في هذا السياق، جاء تصريح ياسر العطا، مساعد القائد العام للقوات المسلحة، ليؤكد مجددًا أن الجيش لا يزال ينظر إلى نفسه كوصي على الشعب، يملك الحق في التدخل متى ما رأى أن الاختيار الشعبي لا يتماشى مع رؤيته لمصلحة البلاد، فما هي دلالات هذا التصريح؟ وكيف يمكن قراءته في إطار التجربة التاريخية والسياسية للسودان؟ وما هي تداعياته على مستقبل العلاقة بين الجيش والمجتمع المدني في السودان؟..
تصريحه أثار جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية إذ قال: “لو ٤٨ مليون سوداني صوتوا في انتخابات لاختيار من يمثلهم ونحن (الجيش) نرى أن من تم انتخابه عميل وخائن، سنقوم بانقلاب عسكري عليه” يعكس هذا التصريح رؤية متجذرة داخل المؤسسة العسكرية السودانية حول وصايتها على القرار السياسي، وحقها في التدخل متى ما رأت ذلك ضروريًا. ..
اولا؛ هذا التصريح يكشف عن عقيدة عسكرية ترى في الجيش وصيًا على الشعب، معتبرة أن إرادة المواطنين قاصرة عن اختيار ممثلين سياسيين “وطنيين” من وجهة نظرها. وهذه العقلية ليست جديدة على السودان، فقد شهد تاريخه السياسي تدخلات عسكرية متكررة أسقطت حكومات مدنية منتخبة، بدءًا من انقلاب إبراهيم عبود عام 1958، مرورًا بجعفر نميري في 1969، ثم انقلاب عمر البشير في 1989، وصولًا إلى الانقلاب الأخير في 2021. جميع هذه الانقلابات تبررت بادعاء تصحيح المسار السياسي، لكنها عمليًا كانت تُستخدم لترسيخ حكم العسكر…
ثانيًا: تفنيد مقولة “القوى المدنية تحرض الجيش” لطالما رددت بعض الأصوات أن القوى المدنية هي من تحرض الجيش على الانقلابات لتحقيق مصالحها، لكن تصريح العطا ينفي هذه السردية تمامًا. فهو يؤكد أن الجيش يمتلك عقيدة انقلابية مستقلة، ولا يحتاج إلى تحريض مدني ليبرر تدخله في السياسة. هذا يعزز المخاوف بشأن عدم وجود نية حقيقية لدى المؤسسة العسكرية للانسحاب من المشهد السياسي، بل إنها تعتبر الانقلاب أداة طبيعية لضبط المسار السياسي وفقًا لرؤيتها الخاصة…
ثالثًا: الجيش كعائق أمام التحول الديمقراطي يطرح هذا التصريح معضلة جوهرية في مسألة التحول الديمقراطي في السودان، إذ كيف يمكن إقامة نظام ديمقراطي مستدام في ظل وجود قوة عسكرية ترى نفسها فوق الدستور وفوق الإرادة الشعبية؟ هذا يسلط الضوء على الحاجة إلى إصلاحات هيكلية عميقة داخل القوات المسلحة، تشمل إعادة بناء عقيدتها العسكرية على أسس وطنية لا سياسية، وضمان خضوعها للدستور والقانون، بدلًا من منحها الحق في تقرير مصير الدولة وفقًا لرؤيتها الذاتية…
رابعًا: ضرورة تحييد الجيش عن السياسة والاقتصاد من أجل تفادي تكرار السيناريوهات الانقلابية، يجب أن تنحصر مهام الجيش في الأدوار الدفاعية المنصوص عليها دستوريًا، بدلًا من التدخل في الشأن السياسي أو الاقتصادي. فكما هو معلوم، تمتلك المؤسسة العسكرية السودانية نفوذًا اقتصاديًا هائلًا، ما يجعلها طرفًا مستفيدًا من استمرار سيطرتها السياسية. لذا، فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يشمل تفكيك الإمبراطوريات الاقتصادية للجيش، وإعادة هيكلته ليصبح مؤسسة مهنية لا أداة تسلطية…
الخلاصة: تصريح ياسر العطا ليس مجرد زلة لسان، بل يعبر عن أزمة عميقة في العلاقة بين الجيش والمجتمع المدني في السودان، إنه تأكيد على أن العسكر لا يزالون يعتبرون أنفسهم فوق الديمقراطية، وأن التغيير الحقيقي لن يتحقق ما لم يتم تحييد المؤسسة العسكرية عن السياسة والاقتصاد، فبدون إصلاح جذري لهذه المعادلة المختلة، سيظل السودان عالقًا في دوامة الانقلابات والاضطرابات السياسية.



