الأعمدة

سهرة ثلاثية الأبعاد – الزبير نايل

في ليلة مترعة بالضياء في منزل الزميل د. حسن المجمر، ضمّتنا سهرة امتدت حتى تخوم الفجر“لا شفنا فيها ملل ولا طاف علينا نعاس”.. كانت وليمة أدبية دسمة، ضيوفها الصحفي البارع الزائر للدوحة من المغرب طلحة جبريل، الذي يحمل ذاكرةً ثرة بتجارب الصحافة والأسفار ومجالسة صُنّاع القرار، وبروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك، الأستاذ الجامعي والمؤرخ الحصيف، الذي يلتقط خيوط الزمن وينسجها بنسقٍ أكاديمي رصين وجاذب؛ والناقد الأديب محمد سليمان الشاذلي، صاحب القراءات المدهشة التي تمزج بين عمق الفهم وجمال الأداء، والروائي عبد القادر مضوي، الذي يُنزل الأمكنة منزلة البطولة في نصوصه..

كانت السهرة على ضفاف أدب الطيب صالح، ذلك النهر الذي لا ينضب. أبحر بنا المتحدثون في عوالمه الندية، فهاجرنا معهم إلى “الشمال”، وكنّا شهودا على “عرس الزين” تحت ظلال “دومة ود حامد”، ورافقنا “المريود” في شوقه المضني، وارتوينا من معين أدبه المسكون بالحكمة والجمال والحنين.
شاركنا الضيوف ذكرياتهم مع الأديب الكبير، فتعرفنا على مواقفه الطريفة، وفرادته الإنسانية، وسمعنا صدى أصواتنا في الذي رووه، كأنها آتية من عمق الوطن، مضمخة برائحة الطين والجروف والذكريات.

ثم اتجهنا غربا، واستمعنا بإنصات شجي إلى حديث طلحة جبريل عن الأيام الأخيرة في حياة الشاعر محمد مفتاح الفيتوري، الذي يكتب بروح إفريقيا وصوت الإنسان.. سرد لنا كيف أحاطه أهل المغرب بمحبة صادقة، ففتحوا له أبوابهم وقلوبهم في الحياة، وشيّعوه إلى مثواه الأخير بكامل الإجلال، فكان في حياته مُكرَّما، وفي رحيله محتفىً به كما يليق بالكبار.

أدهشنا بروفيسور أبوشوك عندما نزع عنه جلباب العالِم وغاص بنا في أشعار عبد الله محمد خير متحدثا عن الثنائية الفنية المدهشة بين الشاعر وبين فنان الطمبور صديق أحمد والتي جمعت بين الفطرة والجمال، بين صوت الطمبور ونبض القصيدة، بين دفء الشعر وحرارة النغم، وكأن عبد الله محمد خير يعزف بالكلمات، وصديق أحمد يترجمها بأوتار الروح.

جلسة كانت شهادة حب ووفاء لهؤلاء العمالقة، تفرقنا منها مع أنفاس الصباح، وقد امتلأنا بحديثهم، وكأننا عدنا محمّلين بأصوات الأهل، ورائحة الأرض.

زر الذهاب إلى الأعلى