



* روما، رضوان علي الحسن
رقصة الأسماء: كرة القدم بين سحر التاريخ وسخرية السياسة
عبر ساحات إنجلترا الخضراء في القرن التاسع عشر، وُلدت اللعبة التي ستحتوي العالم في شباكها. يومها، اختلفت القبائل الرياضية فانقسمت: “كرة الرجبي” للأقدام والأيدي، و”كرة اتحاد كرة القدم” (Association Football) للقدمين فقط. من رحم هذه التسمية الطويلة اختُصرت كلمة “soccer” ببراعة أكسفوردية، بينما احتضنت القارة العجوز “football” اسماً لمجدها الرياضي الآتي.
**اللعبة التي أصبحت لغة كونية:**
عبر محيطات الزمن، حمل المهاجرون والمستعمرون هذه الكرة الجلدية إلى أقاصي الأرض. في ريو دي جانيرو، رقص بها بيليه كشعاع شمس، وفي نابولي، مررها مارادونا كمعجزة إلهية، وفي برشلونة، نسجها ميسي كقصيدة حريرية. مع كل هدف، صار “فوتبول” شيفرة ثقافية تجمع بين صخب ملعب “سان سيرو” وصمت قرية أفريقية نائية. كل العالم يتنفس “كرة القدم” بلغته، إلا تلك البقعة الواقعة بين المحيطين.
**الاستثناء الأمريكي:**
في أرض العم سام، حيث تُقدس الخوذات والاصطدامات، احتاجت الرياضة إلى تمييز جذري. صار “فوتبول” اسماً لمشهد المدرجات الضخمة والاستراحات التلفزيونية الطويلة، بينما أُطلق على اللعبة العالمية “سوكر” – اللقب الذي تشبث به الطفل المهاجر بينما نسيته أمه بريطانيا. كأن التاريخ يلعب مباراة ساخرة: الكلمة الإنجليزية التي هجرتها إنجلترا، أصبحت هوية أمريكية.
**والآن.. يدخل ترامب الملعب:**
وسط أنين صافرات نهائي الأندية 2025 على أرض نيوجيرسي، يطل الرئيس السابق بابتسامته المعهودة وكلماته كالعاصفة. عندما سألته “DAZN” عن إمكانية تغيير التسمية بأمر تنفيذي، كانت إجابته كلمحة من مسرحية عبثية:
> “أعتقد أنه يمكننا فعل ذلك، أعتقد أنني أستطيع القيام بذلك… هم يسمونها (فوتبول)، لكننا نقول (سوكر)، هذا التغيير يمكن أن يحدث بسهولة”.
**سخرية المصير في كلمتين:**
هل يمكن لقلم رئاسي أن يمحو قرناً من التمايز الثقافي؟ هل يُكتب لمزاج رئيس متقلب أن يصوغ هوية رياضية تجذرت في الوعي الجمعي؟ تصوروا الفوضى:
– بطولة “كأس العالم للسوكر” تُعلن فجأة أنها للـ “فوتبول”!
– أطفال تكساس يسألون: “أين الخوذات في مباراة الفوتبول الجديدة؟”
– جماهير ليفربول وريال مدريد تضحك وهي ترى أمريكا “تكتشف” اسمها بعد قرن!
**الاسم ليس مجرد حروف:**
إنه تاريخ نادي “برشلونة” الذي تأسس قبل ظهور مصطلح “سوكر” بعقود، ودماء الجنود في خنادق الحرب العالمية التي لعبوا “فوتبول” بين القذائف، ودموع مارادونا حين رفع كأس العالم باسم “كرة القدم”. لا تقتلع جذور كهذه بقرار إداري، ولا تُمسح ميثولوجيا رياضية بتوقيع.
في الختام : الكرة تدور.. والسياسة تزول**
ربما كان ترامب يغازل المشاعر العالمية، أو يمارس هوايته في إثارة العواصف بكوب ماء. لكن كرة القدم أكبر من أسماء، وأعظم من رؤساء. ستظل الكرة تدور بأسماء مختلفة: “كالسيو” في روما، “فوتبول” في باريس، “سوكر” في لوس أنجلوس. فما قيمة الاسم حين يلامس الساحرون الكرة فتتحول إلى شعر؟ المجد للعبة التي صهرت البشر في بوتقة واحدة، أما الأسماء.. فمجرد ظلال لروح لا تقهر.



