احمد عثمان جبريل
في زمنٍ تتشابه فيه الأصوات وتتكرر فيه التيمات- وأعني بها ( الأفكار والمشروعات والمدارس الفنية) يبقى وصف مغنٍ بـ”صوته مدهش” شهادةً لا تُمنح جزافا، بل تحمل في طياتها ثِقلا جماليا ومعرفيا يتجاوز حدود الحنجرة إلى عوالم أبعد .. عوالم من الدهشة والتحليق في سماوات الإبداع.
وعندما وصف الزميل أحمد دندش صوت الفنان طه سليمان بأنه (عادي) ولا يحمل في داخله أي (دهشة) كان ذلك من وجهة نظر نقدية، إستحضرت معها كل ادوات التقييم الفني في هذا الخصوص، وتجدني أتفق معه وهو محقا تماما فيما ذهب إليه، وأجده يعني المعنى الحرفي للكلمة من حيث التقييم الفني و التقني، وبصمة الصوت في وجدان واحساس المتلقي .
فعندما نصف فنانٍ ما بأن “صوته مدهش” فهذا بالتأكيد لن يكون تعبيرا عابرا أو مجاملة بسيطة، بل وصفا غني بالمعنى، يدل على أن ذلك الصوت له قدرة السيطرة على جمهور المستمعين، من حيث التفاعل الحسي، والفكري والجمالي المركب .
وحتى نفهم المعنى بدقة، دعونا نفكك هذا الوصف من عدة زوايا: وهنا لابد أن نتساءل أولا : ماهي الدهشة من الناحية الجمالية ؟ ” إنها انفعال مفاجئ يُربك التوقع ويُحرك الإدراك نتيجة تصادم بين ما ننتظره وبين ما نسمعه أو نراه ” .. وعندما نسقط ذلك التعريف على صوت ما فهي تعني أن هناك عنصرا غير متوقع أو يتجاوز المعتاد، يوقظ فينا شيئا لم نكن ننتبه له؛ ونحن هنا نتحدث عن الصوت تحديدا وهو الذي يحرك انفعالات هذه (الدهشة) فهل أخطأ (دندش) هنا أم كان عليه نفاقكم؟ .
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه، متى نصف الصوت بأنه “مدهش”؟ نقول أن صوت المغني يكون مدهشًا، عندما يتجاوز التوقعات الطبيعية، أي يمتدّ في طبقاته (من القرار إلى الجواب) دون ضعف.. يملك القدرة على التنقل بين المقامات أو الطبقات بسلاسة مذهلة .. كما انه يحتوي على خامة غير مألوفة، كأن يكون الصوت مزيجا نادرا من القوة والنعومة، أو يحمل خشونة ناعمة تُثير انفعالا متناقضا.. ثم يفعل فعلته في المتلقي و يُفاجئه بالتحكم.
بالطبع أتحدث هنا عن “التحكّم في الاهتزاز الصوتي أو “السكوت المفاجئ ثم الانطلاق” في قدرة هائلة على التحكم في النفس، حيث يبدو الصوت حينها مستمرا دون انقطاع رغم صعوبة الجملة اللحنية .. ومن ثم ينقلك إلى إحساس مركب حينها تشعر أن الصوت لا يؤدي فقط الكلمات، بل ينقل ما لم يُكتب فيها.
و”الدهشة هنا” تكون ناتجة عن حمولة شعورية زائدة، تُحملك أنت كمستمع إلى عاطفة غير مسماة .. وهي أن ينقلب الانطباع رأسا على عقب، عندما تستمع لأول مرة لمغني وتظن أنه محدود القدرات، ثم يُقدم أداء يُغير تصورك بالكامل.. حينها ستلامسك الدهشة في تقنية الصوت من حيث طول النفس، الصعود المفاجئ في الجواب، المرونة في التعبير الصوتي العاطفي كنغمة حزينة في جملة فرحة، أو دفء مفاجئ في كلمة قاسية لتوصيل معنى خفي في الأغنية.
كل هذه الدهشة كان قادرا على تقديمها لذائقة مختلفة من الناس بأصوات وألحان واشعار مختلفة، عمالقة من المبدعين، أمثال وردي ومحمد الأمين ومصطفي سيد أحمد ومحمود عبد العزيز.. وعربيا كوكب الشرق أم كلثوم وفيروز .
وحينما نتحدث عن الصوت المدهش فنعني بذلك الصوت الذي يفتح لك بابا جديدا للإحساس، أو الإدراك لم تكن تتوقعه، كأنك تسمعه لأول مره مع إنك كنت قد سمعته صباحا، و هو الذي حين تسمعه تقول في نفسك :”ما هذا؟ لم أكن أعلم أن هذا الصوت قادر على هذا كله؛ ما يعني أن “الدهشة الصوتية” هي تحديدا حين يتكلّم الفن بلغة المفاجأة .. إنها ليست مجرد إعجاب، بل استجابة داخلية مباغِتة تنبع من تصادم بين ما نتوقعه وما نسمعه فعليًا.. صوتٌ يُربكك أولًا، ثم يُأسرك.. إنها أشبه بلحظة تنوير، حين يُطلق المغني نغمة فتكتشف أن بإمكان الكلمة أن تكون طقسا شعوريا كاملا.. حينها ستفعل خامة الصوت تلك فعلتها فيك فتحولك إلى مزج كيميائي بين الأنوثة والصلابة، الخشونة والنداوة.. فتصل لمرحلة تعجز الكلمات عن التعبير، لأن الأمر تحول إلى قدرة تعبيرية عالية .. حيث لا يُقال الشعور، بل يُسمع، فتتحول الكلمة إلى جسدا حيًّا داخل الجملة الموسيقية.
والمفارقة أو المفاجأة هنا، أن يتصرف صاحب ذلك الصوت ضد ما يُتوقّع منه : يرقّ حين يُفترض أن يصرخ، أو يصعد حين يُفترض أن ينخفض.. يبقى الإحساس مُعلّق، لا أرضي ولا سماوي، متعالٍ على الألم، لكنه يعرفه..هذه الاحاسيس لا يستطيع اي مغني أن يترجمها غير قلة من العمالقة المغنيين.
إن الدهشة، تكمن في المفارقة بين رقة الصوت وقوة الأثر، فقصيدة كـ”عم عبدالرحيم” التي غناها مصطفى سيد أحمد او قلت ارحل لوردي تقول ما لا يمكن لخطبة سياسية قوله، لكأنهماولكن تمكن وردي ومصطفي من ادائهما بصوت وأداء متناغم يجعلك حين تسمعهم تعيش طربية تفصلك عن الواقع الذي تعيشه فتمسك رأسك بكلتا يديك من الدهشة إنه عالم سماوي من الإبداع .
وحينما نقول أن ام كلثوم مدهشة فنعني كما قال طه حسين: قدرتها على تشكيل اللغة العربية، لحنا موسيقيا مركبا، وحينما نقول فيروز مدهشة فنحن نعني هنا أنها لا تُدهشك لأنها تُغني، بل لأنها تُصلي.. إنها ترسل لك موجة من الإحساس تكتسحك دون استئذان.
و تأتي الدهشة، عندما تُحوّل الكلمة إلى كائن ينبض، إنها حالة شعورية كاملة كالتي يترجمها محمود عبد العزيز، هذا الكائن الذي ميزة الله بقدرة صوتيه هائلة مكنته أن يغني أي أغنية كما قال (الكتاب) فيلبثها ثوبه الخاص احساسه وتكنيكه، وهذا ما أهله أن يغني أي اغنية للحقيبة، وحينها لا تعرف إن كنت تصغي أم تستمع لمحاضرة في العشق ..
أما الباشكاتب فهذا لا يُدهشك لأنك لا تفهمه.. بل لأنك تفهم نفسك أكثر من خلاله..
وعندما نقارن الدهشة في اتجاهات صوتي وردي ومصطفي، فحينها سياخذانك بعيدا بعيدا بخامة صوتيهما إلى ضوء شفاف، خفيف لا يمكن ان تحسه، بل كأنك تشاهده أمامك..صوتان يجعلانك كمن يُمسك جرس ثقيل، غني بطبقات متعددة من التكنيك الذي يعتمد على الاسترسال والنقاء و التحكم والارتجال .. إحساس شعري، داخلي، متعالٍ عاطفي، مباشر، غارق في النص، يأخذك إلى تأثير تأملي، يجعل الأغنية حالة خاصة من الإحساس يحوّل المستمع إلى جزء من الحدث .
أننا نقول لكل الذين رفضوا توصيف (دندش) لصوت طه سليمان بأنه عادي وغير مدهش، بأنه قول صحيح، لا لبس فيه، ولم يكذب الرجل، لأن الدهشة في الغناء ليست مجرد مهارة صوتية وإن كانت حتى هذه المهارة (ضعيفة) بل إنها لحظة اختراق للحواس وللذاكرة، وحتى للزمن.. و هي ما يجعل الصوت أقرب إلى المعجزة منه إلى الأداء.



