“سَمِعُوا صوتَ الشعب”… فأسكتوه!كيف حوّلت السلطات السودانية واتساب إلى “خدمة صامتة” باسم الأمن القومي؟
بقلم : المستشار معاوية أبوالريش
في زمن تتعالى فيه صرخات الألم من الشارع السوداني، وتتردد أصداء المأساة الإنسانية عبر كل بيت سوداني، قررت السلطات السودانية أن “تنظم” هذه الأصوات بطريقتها الخاصة. ففي خطوة أثارت “موجة من الاستياء الشعبي”، أعلن جهاز تنظيم الاتصالات والبريد السوداني تقييد خدمة الاتصال الصوتي والمرئي عبر تطبيق واتساب، اعتباراً من 25 يوليو 2025، “كإجراءات احترازية للمهددات الأمنية حفاظاً على الأمن القومي والمصالح العليا للبلاد”
غير أن هذا القرار لا يأتي في فراغ، بل في قلب أزمة إنسانية هي “الأكبر في العالم”، حيث “يحتاج اثنان من كل 3 أشخاص إلى المساعدة – أي 30 مليون شخص – فضلاً عن نزوح أكثر من 12 مليون شخص ومعاناة 25 مليون من الجوع الحاد” وهنا يبرز السؤال المحوري: في هذا التوقيت بالذات، وفي ظل هذه المعاناة، هل فعلاً هناك مبررات أمنية حقيقية لهذا القرار، أم أن الأمر يتعلق بدوافع أعمق وأكثر تعقيداً؟
عندما يصبح التوقيت كاشفاً للنوايا:
لفهم دوافع هذا القرار، لا بد من وضعه في سياقه الزمني الصحيح. فالسودان يشهد منذ 15 أبريل 2023 “حرباً شرسة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مخلفة وراءها أزمات لا تُحصى من الضحايا وتدمير البنى التحتية” وبينما تدخل هذه الحرب “عامها الثالث”، تواجه الحكومة السودانية ضغوطاً متزايدة على جبهات متعددة.
من جهة، هناك “تحدٍ حقيقي، فالمجتمع قد يتعرض لانهيار داخلي نتيجة نقص الخدمات الصحية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والأجور” ومن جهة أخرى، يعتمد “معظم السودانيين على واتساب كوسيلة تواصل فعّالة، لا سيما الرسائل الصوتية والاتصال، في ظل توقف خدمات الاتصالات في مناطق واسعة، خاصة في دارفور وكردفان، نتيجة لتدمير البنية التحتية”
إن هذا التزامن بين تفاقم الأزمات وتقييد وسائل التواصل ليس مصادفة، بل يكشف عن استراتيجية واضحة للتحكم في تدفق المعلومات في وقت تشتد فيه الحاجة إليها. فعندما تصبح الأصوات مزعجة للسلطة، يصبح إسكاتها “ضرورة أمنية”.
تفكيك خرافة “الأمن القومي”
تبرر السلطات السودانية قرارها بـ”المهددات الأمنية” و”الأمن القومي”، لكن هذا التبرير يتهاوى أمام أبسط الأسئلة المنطقية. فإذا كانت المكالمات الصوتية والمرئية عبر واتساب تشكل تهديداً أمنياً، فلماذا أبقت السلطات على “الرسائل النصية والمشاركة عبر المجموعات، متاحة كالمعتاد دون أي تقييد”؟ أليست هذه الخدمات قادرة على تحقيق نفس الأهداف المزعومة؟
علاوة على ذلك، إذا كان الهدف هو منع التواصل “المشبوه”، فلماذا لم يشمل القرار تطبيقات أخرى تقدم نفس الخدمات تماماً؟ فتطبيقات مثل إيمو (IMO) وسكايب وتليجرام وفايبر وماسنجر تقدم جميعها خدمات المكالمات الصوتية والمرئية المجانية. والمفارقة أن السلطات السودانية سبق لها أن “عطلت تطبيقي واتساب وإيمو” معاً خلال الاحتجاجات السابقة، مما يؤكد معرفتها بوجود هذه البدائل.
هذا التطبيق الانتقائي للقيود – استهداف واتساب فقط دون غيره – يكشف بوضوح أن الأمر لا يتعلق بالأمن القومي، بل بالسيطرة على التطبيق الأكثر شعبية واستخداماً. فإذا كانت المكالمات المجانية تشكل تهديداً أمنياً حقيقياً، لكان المنطق يقتضي حظرها جميعاً، لا انتقاء واحد منها فقط.
والأهم من ذلك، أن السلطات تتجاهل حقيقة بسيطة: مع توفر شبكات VPN والبدائل التقنية المتعددة، فإن “كثيراً من المستخدمين باتوا يلجؤون إلى شبكات VPN لتجاوز الحظر، وهو ما يتطلب معرفة فنية أو تكاليف إضافية، ويزيد من تعقيد عملية التواصل”. كما أن المستخدمين يمكنهم ببساطة التحول إلى تطبيقات بديلة مثل إيمو أو فايبر أو سكايب، التي لا تزال تعمل بشكل طبيعي.
هذا يعني أن القرار لن يحقق هدفه الأمني المزعوم، بل سيصبح مجرد عقاب إضافي للمواطنين العاديين الذين لا يملكون المعرفة التقنية أو الإمكانيات المالية للتحايل عليه. والأسوأ أنه سيدفع المستخدمين إلى تطبيقات أقل شهرة وربما أقل أماناً، مما يخالف تماماً الهدف الأمني المزعوم.
الدوافع الاقتصادية: عندما تصبح المعاناة مربحة:
بينما تخفي السلطات دوافعها وراء ستار “الأمن القومي”، تشير كل المؤشرات إلى أن الدافع الحقيقي اقتصادي بامتياز. فكما يرى مراقبون، “يأتي القرار في سياق تعزيز أرباح شركات الاتصالات المحلية، التي تسعى إلى دفع المستخدمين نحو الاعتماد على خدماتها المدفوعة، في ظل غياب أي بدائل مجانية فعالة”.
هذا التفسير منطقي إذا أخذنا في الاعتبار أن “كثيراً من السودانيين في الخارج يفضلون التواصل مع أسرهم عبر تطبيق التراسل الفوري واتساب، لا سيما الاتصال المرئي، نظراً لارتفاع أسعار المكالمات الدولية”. وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد، تجد الحكومة في هذا القرار وسيلة لإجبار المواطنين على استخدام الخدمات المدفوعة، وبالتالي زيادة الإيرادات.
لكن هذا الحساب الاقتصادي الضيق يتجاهل التكلفة الإنسانية الباهظة. فهناك “ملايين السودانيين، داخل البلاد وخارجها، يعتمدون على واتساب كوسيلة أساسية للتواصل، خاصة في ظل النزوح الجماعي إلى دول الجوار مثل مصر وتشاد وليبيا”، وتستضيف “مصر حالياً حوالي 600 ألف سوداني” بالنسبة لهؤلاء النازحين واللاجئين، يشكل واتساب “وسيلة شبه مجانية للتواصل مع الأهل والأصدقاء، في وقت لا تسمح فيه الأوضاع الاقتصادية المتدهورة بتحمل تكاليف المكالمات الدولية الباهظة”
معاناة مضاعفة: عندما يدفع الضعفاء ثمن قرارات القوي:
إن أبشع ما في هذا القرار أنه يضاعف معاناة الذين يعانون أصلاً. فالنازحون واللاجئون، الذين فقدوا بيوتهم وأعمالهم، سيفقدون الآن أيضاً وسيلتهم الوحيدة للتواصل المجاني مع أحبائهم. وكما تؤكد المبادرات المدنية، فإن هذا القرار “سيكون له أثر كارثي على المدنيين العزل في ظل الحرب الدائرة، حيث يعتمدون بشكل كبير على تطبيقات التواصل، وخصوصاً واتساب، للتنسيق وطلب الدعم وتلقيه وتوزيعه على الأسر والمواطنين المحتاجين داخل البلاد وخارجها”.
وليس الأمر مقتصراً على التواصل العائلي فحسب، بل يمتد إلى العمليات الإنسانية الحيوية. ففي ظل انهيار البنية التحتية والخدمات الحكومية، أصبحت تطبيقات التواصل شريان الحياة للمنظمات الخيرية والإنسانية التي تعمل على توزيع المساعدات وتنسيق الإغاثة. قطع هذا الشريان يعني عملياً تعطيل جزء كبير من الجهود الإنسانية في وقت تشتد فيه الحاجة إليها.
كما أن القرار سيؤثر بشكل خاص على الطلاب السودانيين في الخارج، الذين يحتاجون للتواصل مع أسرهم للحصول على الدعم النفسي والمعنوي، والعمال السودانيين في الخارج الذين يعتمدون على هذه التطبيقات لإدارة شؤونهم المالية والعائلية. بل إن الأمر يمتد إلى رجال الأعمال الذين يديرون أعمالهم عبر الحدود، مما قد يؤثر على التحويلات المالية التي تشكل شريان حياة للاقتصاد السوداني.
مقاومة شعبية ورفض مهني: عندما يتحد المجتمع ضد القمع:
لم يمر القرار مرور الكرام، بل واجه “انتقادات كبيرة” من قطاعات واسعة في المجتمع السوداني. وقد تصدرت “مبادرة استعادة نقابة المهندسين السودانيين” موجة الرفض، معتبرة القرار “مساساً مباشراً بحق المواطنين في التواصل الحر والمفتوح، ويمثل تراجعاً إضافياً في فضاء الحريات الرقمية”
وقد ذهبت هذه المبادرة إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن “الأمن القومي لا يُبنى على حجب الخدمات ولا على تقييد الوسائل التقنية، بل على تعزيز الثقة والمشاركة المجتمعية وتوفير بيئة رقمية آمنة ومتوازنة”هذا النقد يضع الإصبع على الجرح الحقيقي: فبدلاً من بناء الأمن من خلال كسب ثقة المواطنين والاستجابة لاحتياجاتهم، تحاول السلطات بناءه من خلال قمعهم والتحكم فيهم.
والأهم من ذلك، أن المجتمع لم يستسلم لهذا القرار، بل بدأ في إيجاد طرق للتحايل عليه. فكما يشير المراقبون، “كثير من المستخدمين باتوا يلجؤون إلى شبكات VPN لتجاوز الحظر”، بينما يتجه آخرون إلى استخدام تطبيقات بديلة مثل إيمو وفايبر وسكايب، التي لا تزال تعمل بشكل طبيعي. هذا يظهر عدم فعالية القرار من الناحية العملية، ويحوله إلى مجرد عقبة إضافية أمام المواطنين، بل ويدفعهم إلى تطبيقات قد تكون أقل أماناً أو موثوقية.
في السياق الإقليمي: السودان وحيداً في طريق القمع:
عندما نضع القرار السوداني في السياق الإقليمي، تصبح غرابته أكثر وضوحاً. فرغم أن دولاً مجاورة مثل إثيوبيا وتشاد تواجه تحديات أمنية مشابهة، إلا أنها لم تتخذ قرارات مماثلة. هذا يشكك في الدوافع الأمنية المزعومة، ويضع السودان في موقع منعزل كدولة تختار طريق القمع الرقمي.
والأسوأ من ذلك، أن هذا ليس أول مرة يسلك فيها السودان هذا الطريق. فقد سبق أن “توقفت وسائل التواصل الاجتماعي عن العمل في السودان وسط ترقب لاحتجاجات شعبية جديدة”، حيث “تم حجب مواقع فيسبوك وتويتر وإنستغرام، وتعطيل تطبيقي واتساب وإيمو” خلال فترة النظام السابق. هذا يضع القرار الحالي في إطار تاريخي من استخدام تعطيل الاتصالات كأداة للقمع السياسي.
ما يجعل الأمر أكثر مأساوية أن هذا النهج ثبت فشله تاريخياً. فالأنظمة التي اعتمدت على قطع الاتصالات وقمع الأصوات لم تنجح في النهاية في الحفاظ على استقرارها، بل زادت من غضب شعوبها وساهمت في تأليب الرأي العام ضدها. السودان اليوم يكرر نفس الأخطاء، متوقعاً نتائج مختلفة.
آثار طويلة المدى: نحو عزلة رقمية وتراجع حضاري:
إن تداعيات هذا القرار تتجاوز الأثر الآني على المواطنين، لتطال مستقبل السودان التقني والحضاري. فالقرار يرسل رسالة سلبية واضحة حول التزام الحكومة بالحريات الرقمية، مما قد يضر بجهود التحول الرقمي التي تحتاجها البلاد بشدة للتعافي من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن هذا النهج سيؤثر على استعداد الشركات التقنية الدولية للاستثمار في السودان، مما يحرم البلاد من فرص التطوير التقني والاقتصادي. وفي عالم يتجه نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، يضع السودان نفسه في موقع متخلف عن الركب الحضاري.
على المستوى التعليمي، يأتي القرار في وقت أصبح فيه التعليم الرقمي ضرورة، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. تعطيل وسائل التواصل الرقمي يعني عملياً تعطيل جزء من العملية التعليمية، مما يضر بجيل كامل من الطلاب السودانيين.
وعلى المستوى الدولي، فإن هذا القرار يضر بصورة السودان كدولة تحترم حقوق الإنسان والحريات الأساسية، مما قد يؤثر على علاقاتها الدبلوماسية وحصولها على المساعدات الدولية التي تحتاجها بشدة في هذه المرحلة الحرجة.
البدائل المُهدرة: ماذا كان يمكن أن يفعل السودان؟
بدلاً من سلوك طريق المنع والتقييد، كان بإمكان السودان اختيار طرق أكثر حكمة وفعالية لمواجهة أي تحديات أمنية حقيقية. فبدلاً من حظر التطبيقات، كان يمكن تطوير قدرات المراقبة القانونية المتخصصة في مواجهة التهديدات الحقيقية، دون المساس بحقوق المواطنين العاديين.
كما كان يمكن التعاون مع شركات التكنولوجيا لضمان استخدام آمن للتطبيقات، وتدريب الكوادر الأمنية على التعامل الذكي مع التحديات الرقمية. هذا النهج كان سيحقق الأمن الحقيقي دون إلحاق الضرر بالمواطنين.
وعلى المستوى الاقتصادي، بدلاً من إجبار المواطنين على استخدام الخدمات المدفوعة من خلال منع البدائل المجانية، كان يمكن تحسين البنية التحتية للاتصالات وتخفيض تكاليف الاتصالات الدولية، مما كان سيحقق نفس الهدف الاقتصادي بطريقة أكثر عدالة وإنسانية.
كما كان يمكن دعم الشركات التقنية المحلية لتطوير بدائل محلية متقدمة، مما كان سيحقق فوائد اقتصادية حقيقية ويضع السودان على خريطة الابتكار التقني، بدلاً من وضعه على خريطة القمع الرقمي.
خلاصة: قرار فاشل في استراتيجية فاشلة:
في التحليل النهائي، يبدو قرار تقييد مكالمات واتساب كمثال صارخ على سوء الفهم الحكومي لطبيعة التحديات التي تواجه السودان ولطرق مواجهتها. فبدلاً من التركيز على الحلول الجذرية للأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، تختار السلطات الهروب إلى الأمام من خلال قمع الأعراض وإسكات الأصوات.
هذا النهج محكوم عليه بالفشل لأسباب متعددة: أولاً، لأنه يواجه مقاومة شعبية واسعة ومبررة. ثانياً، لأنه قابل للتحايل التقني بسهولة. وثالثاً، لأنه يتناقض مع روح العصر واتجاهات التطور الحضاري.
والأهم من ذلك، أن هذا القرار يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين السلطات والشعب. فعندما تخاف الحكومة من أصوات مواطنيها لدرجة محاولة إسكاتها، فهذا يعني أنها فقدت الشرعية الشعبية، وأن حلولها الأمنية والسياسية لا تلقى قبولاً شعبياً.
نحو مستقبل أفضل: دروس يجب تعلمها:
إن السودان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. يمكنه الاستمرار في نهج القمع والتحكم، الذي لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور والعزلة. أو يمكنه اختيار طريق الانفتاح والحوار والاستجابة الحقيقية لتطلعات شعبه.
الخيار الأول سهل ومؤقت، لكنه مدمر على المدى الطويل. الخيار الثاني صعب ويتطلب شجاعة سياسية، لكنه الوحيد الذي يمكن أن يقود إلى حلول حقيقية ومستدامة.
والدرس الأهم الذي يجب أن تتعلمه السلطات السودانية من هذه الأزمة أن الأمن الحقيقي لا يُبنى على إسكات الأصوات، بل على الاستماع إليها والاستجابة لها. وأن الاستقرار الحقيقي لا يأتي من قمع الشعب، بل من كسب ثقته وتلبية احتياجاته.
في النهاية، التاريخ سيذكر من اختار في أحلك أوقات شعبه أن يكون معه لا ضده، ومن اختار أن يسمع صوته لا أن يسكته. والشعب السوداني، الذي أثبت عبر التاريخ قدرته على مقاومة الظلم والصمود في وجه المحن، لن ينسى من وقف إلى جانبه في محنته، ومن تخلى عنه وقت حاجته.
إن قرار تقييد مكالمات واتساب ليس مجرد قرار تقني، بل هو رمز لأزمة أعمق في العلاقة بين السلطة والشعب. وحل هذه الأزمة لا يكمن في مزيد من القيود والقمع، بل في فتح نوافذ الحوار والثقة والعمل المشترك من أجل مستقبل أفضل للسودان وشعبه.



