الأعمدة

البرهان يحكم… وكامل إدريس يدفع الفاتورة : حين جاءت المفاجأة بالأمس

محمد الفاتح حضرة
في لقائه بالإعلاميين والصحفيين في الخرطوم، خرج الجنرال البرهان ليعلن عدم رضاه عن أداء حكومة كامل إدريس.
بل استخدم تعبيرًا شديد الدلالة عندما تحدث عن حكومة «الأفندية والبروفيسورات»، وقال إن الشعب السوداني يريد حكومة تشعر بمعاشه وهمومه.
هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا‼️
🧐 ماذا يريد البرهان أن يقول للسودانيين؟!
هل يريد أن يقول إن هذه السنوات الماضية كانت سنوات حكم مدني كامل؟!

هل يريد أن يقول إن العسكر كانوا مجرد مراقبين، لا علاقة لهم بإدارة الدولة؟!

هل يريد أن يقول إن الانهيار الاقتصادي حدث لأن حكومة كامل إدريس فشلت في إدارة البلاد؟!
فإذا كان الأمر كذلك…
فمنذ متى كان كامل إدريس هو الحاكم الحقيقي للسودان؟!

🧐🫵 الأخطر من كل ذلك…
أن حديث البرهان عن التخلص من حكومة «الأفندية والبروفيسورات» يبدو وكأنه يمهِّد لمرحلة إنقلابية جديدة.
مرحلة يكون فيها العسكر هم الوزراء والولاة ومن لهم كل النصيب من الحكم والسلطة التنفيذية والتشريعية ، وبالتأكيد سيكون معهم شركائهم من قادة الحركات المسلحة وشركاء اتفاق جوبا.

إن الرجل الذي قاد الانقلاب على النظام الدستوري في 25 أكتوبر 2021…
والذي ظل ممسكًا بالسلطة طوال هذه السنوات…
يبدو وكأنه يريد الآن أن يقول للشعب السوداني:
دعونا نجرِّب حكم العسكر ‼️
وكأن العسكر لم يحكموا السودان أصلًا منذ 25 أكتوبر 2021‼️
وكأنهم لم يكونوا أصحاب القرار الفعلي طوال هذه السنوات‼️
وكأن الانهيار الاقتصادي الذي وصل إليه السودان حدث في ظل حكومة مدنية كاملة الصلاحيات‼️
🛑 ما هذا الاستخفاف بعقول الناس؟! 😡‼️

📚 تحويل المسؤولية السياسية… عندما يحتفظ الحاكم بالسلطة ويترك لغيره الفاتورة ‼️
في العلوم السياسية والاستراتيجية، عندما يحتكر صاحب السلطة القرار، ثم يضع أمام الشعب واجهة أخرى، ويتركها تتحمل غضب الناس وفشل السياسات ونتائج القرارات التي لم تكن صاحبة القرار الحقيقي فيها، فإن هذا يُعرف بـ تحويل المسؤولية السياسية.
وهو أسلوب معروف تلجأ إليه بعض السلطات عندما تصبح نتائج حكمها كارثية، فتسعى إلى فصل السلطة عن المسؤولية:
تحتفظ هي بالقرار…
وتترك لغيرها مسؤولية النتائج ‼️
🧐 ماذا تقول العلوم السياسية عن هذا السلوك؟!
هذا ليس سلوكًا بلا اسم في العلوم السياسية.
إنه أحد أشكال تحويل اللوم والمسؤولية ــ Blame Shifting.
أي أن صاحب السلطة، عندما يواجه نتائج كارثية تهدد صورته أمام المجتمع، يحاول نقل اللوم إلى طرف آخر حتى يقلل مسؤوليته السياسية ويحمي موقعه.
وتزداد أهمية هذه الحيلة في الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية؛ لأن الحاكم يستطيع أن يحتفظ بالقرار الحقيقي، وفي الوقت نفسه يستخدم مؤسسات أو شخصيات أخرى كواجهة تتحمل الغضب الشعبي.
وبذلك يصبح من الصعب على الناس تحديد:
من الذي اتخذ القرار فعلًا؟
ومن الذي يجب أن يتحمل ثمن نتائجه سياسيًا؟!
🧐 وهذا بالضبط ما أراه يحدث في السودان اليوم.
🛑 فلنعد إلى البداية…
في 25 أكتوبر 2021، نفَّذ الجنرال البرهان وقادة الجيش والدعم السريع انقلابهم على الحكومة الانتقالية.
قُوِّض النظام الدستوري.
وأُطيحت الحكومة المدنية.
وانتهت الشراكة الانتقالية.
وأصبح البرهان رأس السلطة الفعلية، وظل العسكر الانقلابيون وشركاؤهم أصحاب القرار الحقيقي في الدولة.
ومنذ ذلك التاريخ…
من كان يحكم السودان؟!
هل كان رئيس وزراء مدني؟!
لا.
هل كانت هناك حكومة مدنية منتخبة تملك القرار؟!
لا.
بل كان السودان تحت سلطة الانقلابيين.
ومرت الشهور…
ثم السنوات…
والبلاد تنحدر من أزمة إلى أزمة، ويتفاقم الانهيار الاقتصادي، وتتراجع قيمة العملة، وتتدهور الخدمات، وتتسع معاناة المواطنين.
🛑 ثم جاءت الحرب ‼️
في 15 أبريل 2023، اندلعت الحرب بين الجيش والدعم السريع، وهما الطرفان اللذان كانا شريكين في انقلاب 25 أكتوبر 2021.
وكانت حربًا عبثية دفع الشعب السوداني ثمنها.
وكان واضحًا أن طرفي السلطة العسكرية دخلا في صراع مسلح على السلطة والثروة.
لكن الحرب لم تُحسم كما توقعوا.
بل طالت…
وتوسعت…
وتضاعفت الخسائر…
وتراكم الدمار…
وتعطلت قطاعات واسعة من الاقتصاد…
وتدهورت معيشة الناس…
وبدأت تظهر بصورة واضحة معالم الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الشامل.
وهنا احتاج الانقلابيون إلى حيلة جديدة ‼️
🧐 لماذا جاءت حكومة مدنية أصلًا؟!
كان هناك سبب سياسي خارجي واضح.
فبعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، تعرض السودان لضغوط إقليمية ودولية كبيرة، وكان الاتحاد الأفريقي قد علَّق عضوية السودان، وأصبحت السلطة الانقلابية تواجه عزلة وضغوطًا متزايدة للعودة إلى المسار المدني.
وكان المطلوب من العسكر إنهاء الانقلاب، والعودة إلى مسار الحكم المدني، حتى يستعيد السودان وضعه الطبيعي في علاقاته الإقليمية والدولية.
لكن العسكر لم يريدوا التخلي عن السلطة الفعلية.
فماذا يفعلون؟!
🧐 يُنشئون واجهة مدنية للحكم ‼️
حكومة مدنية تحمل اسم الحكومة، وتمارس صلاحيات تنفيذية رسمية…
لكنها لا تملك أدوات السلطة السيادية والعسكرية التي تجعلها صاحبة القرار الفعلي في الدولة.
وهكذا يمكن للانقلابيين أن يقولوا للخارج:
لدينا حكومة مدنية.
وفي الوقت نفسه يقولون لأنفسهم:
والسلطة الفعلية ما زالت في أيدينا.
🛑 ولكن كانت هناك فائدة أخرى لهذه الحكومة ‼️
وهي الأهم بالنسبة لموضوعنا:
🫵 تحميل الحكومة المدنية مسؤولية الفشل الذي يصنعه العسكر.
فالعسكر يحتفظون بالقرار…
والحكومة المدنية تتولى الواجهة…
فإذا تحسن الوضع، يمكن أن يُنسب النجاح إلى السلطة القائمة.
أما إذا انهار الاقتصاد، وازدادت معاناة الناس، وفشلت الخدمات…
فيمكن ببساطة أن يقال:
الحكومة المدنية هي المسؤولة ‼️
وهذه هي الحيلة:
أن يحكم العسكر… وتتحمل الحكومة المدنية المسؤولية.
🧐 وفي هذا السياق جاء كامل إدريس ‼️
بعد نحو عامين من اندلاع الحرب، وفي مايو 2025، عيَّن الجنرال البرهان كامل إدريس رئيسًا للوزراء.
ولنكن واضحين هنا:
لسنا بصدد الدفاع عن كامل إدريس.
فالرجل قبل أن يدخل هذا المنصب كان يعرف طبيعة السلطة التي سيعمل في ظلها.
وكان يعلم أن السلطة الفعلية ليست في يده.
ومع ذلك قبل المنصب، واستمر فيه حتى اليوم.
ولم يقدم خلال وجوده ما يجعل الشعب السوداني يرى فيه رئيس وزراء حقيقيًا قادرًا على تغيير واقع البلاد.
ظل الرجل في بورتسودان معظم الوقت.
ثم بدأ يقوم بزيارات إلى الخرطوم.
أما بقية ولايات السودان…
فهو بعيد عنها.
وملايين النازحين في المعسكرات…
كثير منهم ربما لا يعرفون أصلًا من هو رئيس وزراء بلادهم.
ولا أعتقد أن هناك إنجازًا كبيرًا يستطيع المواطن السوداني أن يشير إليه ويقول:
هذا ما قدمه كامل إدريس للشعب السوداني.
حتى إن حضوره العام ظل محدودًا، وأصبحت صورته في نظر كثير من السودانيين مرتبطة بحكومة ضعيفة محدودة التأثير، تعمل تحت مظلة السلطة العسكرية.
بل إن الرجل نفسه، بعد التصريحات الأخيرة للبرهان، لم يخرج ــ حتى الآن ــ ليخاطب الشعب السوداني ويدافع عن حكومته أو يوضح للرأي العام ما هي الصلاحيات التي يملكها، وما الذي مُنع عنه.
وهذا في حد ذاته يكشف الكثير.
🛑 ثم جاء البرهان بالأمس ‼️
بعد كل هذه السنوات…
وبعد كل هذا الانهيار…
وبعد أن كان هو الحاكم الفعلي للسودان منذ 25 أكتوبر 2021…
خرج الجنرال البرهان أمام الصحفيين والإعلاميين ليتحدث عن معاناة السودانيين الاقتصادية والمعيشية.
وتحدث عن الحكومة.
وأبدى عدم رضاه عن أدائها.
ثم أطلق عبارته عن حكومة «البروفيسورات والأفندية»، في إشارة واضحة إلى عدم جدوى الحكومة الحالية، وإلى اتجاهه نحو تغييرها.
🧐 وهنا يجب أن نقرأ كلام البرهان بعيدًا عن اللغة الإعلامية.
🫵 فالمعنى السياسي الذي أراد أن يصل إلى المواطن السوداني هو:
هذه الحكومة المدنية هي التي فشلت.
وهذه الحكومة المدنية هي المسؤولة عن الوضع الاقتصادي والمعيشي.
أما نحن العسكر…
فلا علاقة لنا بهذا الفشل.
🛑 وهنا تكمن المفارقة الكبرى ‼️
البرهان هو الحاكم الفعلي منذ 25 أكتوبر 2021.
فكيف أصبح كامل إدريس مسؤولًا عن الانهيار الذي بدأ قبل أن يعرفه السودانيون رئيسًا للوزراء أصلًا؟!
كيف يتحمل رجل جاء في مايو 2025 مسؤولية نتائج سنوات بدأت منذ أكتوبر 2021؟!
كيف يتحمل رئيس وزراء محدود التأثير مسؤولية قرارات ظلت السلطة العسكرية هي صاحبة القرار فيها؟!
كيف يصبح رئيس الوزراء هو المسؤول عن دولة يظل رأس السلطة العسكرية فيها هو صاحب القرار الأعلى؟!
🧐 هذا هو السؤال الذي يريدون من الشعب السوداني أن ينساه.
🛑 الحيلة الانقلابية ببساطة ‼️
العسكر يقولون:
نحن نحكم.
وعندما تكون هناك سلطة وقرار:
نحن أصحاب السلطة.
وعندما تكون هناك حرب:
نحن نقود معركة الكرامة.
وعندما يتعلق الأمر بالقرار العسكري والسيادي:
نحن أصحاب القرار.
لكن عندما يأتي الحساب عن الاقتصاد والمعاش والانهيار:
🫵 فالحكومة المدنية هي المسؤولة‼️
وعندما تفشل الحكومة التي لم تكن تملك أصلًا كل أدوات الحكم:
فلنُسقط الحكومة‼️
ثم نأتي بحكومة أخرى…
وربما تكون كلها من العسكر…
ثم نكرر الحيلة نفسها.
🧐 وهنا تكمن الخطورة الحقيقية ‼️
هذا ليس خطأً عابرًا في إدارة الدولة.
إنه، في قراءتي، سلوك سياسي مقصود:
أن تُنشئ واجهة مدنية للسلطة العسكرية…
ثم تجعلها تتحمل مسؤولية الفشل…
ثم تستخدم فشلها المزعوم لتبرير استمرار الحكم العسكري.
وهكذا يتحول الفشل الذي صنعته السلطة العسكرية إلى ذريعة للمزيد من السلطة العسكرية‼️
والأخطر من ذلك:
أن السلطة التي صنعت الأزمة تقدم نفسها باعتبارها الحل.
والذين قادوا البلاد إلى حافة الانهيار يقولون للشعب:
دعونا نُنقذ السودان من الانهيار‼️
🛑 وهذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى الشعب السوداني ‼️
لا تسمحوا لأحد أن يعيد كتابة التاريخ.
كامل إدريس لم يحكم السودان منذ 25 أكتوبر 2021.
ولم يكن هو صاحب القرار عندما بدأت سنوات الانهيار.
ولم يكن هو الذي قاد انقلاب 25 أكتوبر.
ولم يكن هو الذي دخل في حرب 15 أبريل.
ولم يكن هو صاحب السلطة الفعلية طوال هذه السنوات.
وإذا كان كامل إدريس قد قبل أن يكون رئيس وزراء ضعيف الصلاحيات والتأثير، فهذه مسؤوليته السياسية والتاريخية هو.
لكن قبوله بهذا الدور لا يمنح البرهان حق التنصل من مسؤولية حكمه.
🛑 البرهان لا يستطيع أن يحتفظ بسلطة الحاكم، ثم يتخلى عن مسؤولية الحاكم.
لا يستطيع أن يقول:
أنا صاحب القرار عندما يتعلق الأمر بالسلطة…
ثم يقول:
الحكومة المدنية مسؤولة عندما يتعلق الأمر بالانهيار‼️
من يحكم هو المسؤول عن نتائج حكمه.
وهذا الانهيار الشامل في السودان ليس مسؤولية حكومة كامل إدريس وحدها…
بل هو حصاد خمس سنوات من حكم البرهان والعسكر الانقلابيين وشركائهم ‼️

زر الذهاب إلى الأعلى