الأعمدة

التحول الرقمي لأجهزة الدولة هي أولى خطوات الشفافية والنزاهة التي تؤدي للنهوض بالوطن ومواكبة بقية الدول في سودان ما بعد الحرب

التحول الرقمي لأجهزة الدولة هي أولى خطوات الشفافية والنزاهة التي تؤدي للنهوض بالوطن ومواكبة بقية الدول في سودان ما بعد الحرب من أجل استعادة ثقة الشعب في كافة أجهزة دولته
✍️المستشار/#مهيد شبارقة
تعريف التحول الرقمي لمن لايعرفه هو
جعل كافة اجهزة الدولة تكون مفتوحة للشعب بحيث تستخدم افضل البرامج
الذكية في كافة خدمات الوزارات في سودان ما بعد الحرب فلا يمكن الحديث عن بناء دولة شفافة ونزيهة دون أن يكون التحول الرقمي في مقدمة الأجندة الوطنية نعم إنها ليست رفاهية ولا خيارا نخبويا محصورا بنطاق الإدارات العليا بل هي #معركة استرداد الثقة بين كافة اجهزة الدولة ومواطنيها تلك الثقة التي هشمتها سنوات الفساد والاستبداد وابتلع ما تبقى منها جشع تمجيد السلاح وتلاعبات النخب المتحالفة مع أجهزة القوة والنهب.
فرقمنة الدولة اليوم تعني أكثر من مجرد (#ميكنة للإجراءات) بل إنها إعلان نية جادة لبدؤ الشفافية ودليل على نضج مؤسسي وخطوة تصالحية مع شعب سئم الكتمان والتلاعب بموارد وعائدات بلده وهو يدفع اتاواته التي مغصوبا ولا يرى فيما تحول ولا اين تذهب…!!؟؟؟
#اولا: اعتراف يبدأ من الصفر:
علينا ان نقر نحن أبناء هذا الجيل الذي عايش انفراط العقد الوطني والفساد المتجذر منذ صباه بأن مؤسسات الدولة السودانية طالما كانت مرعا للبيروقراطية العقيمة والتمكين السياسي والمحسوبية القبلية كانت كافة المعاملات في وزارات الدولة تدار خلف جدران من الغموض والإجراءات فيها تسلك دروبا ملتوية يضيع فيها المواطن بين نافذة ونافذة ويضطر فيها إلى /دفع ما يسكت به #الجوع البيروقراطي لموظف يتقن فن العرقلة أكثر من فن التيسير…!!
نعم كانت الدولة نفسها وكأنها تتأمر ضد مواطنيها وكلما حاولت نظم الإدارات أن تبدو (نزيهة)كانت الورقة والقلم والدفاتر المتهالكة تتحول إلى أدوات تزوير لا أدوات توثيق..!!
#فكيف نبدأ من جديد…؟
#اولا: الرقمنة من كشف الفساد لمنعه:
فحين تصبح بيانات الأراضي والسجلات التجارية وموازنات الوزارات والتعيينات الحكومية متاحة بنقرة واحدة لأي مواطن عندها لن يبقى للفساد عذر أو مخبأ.
فالرقمنة لا تفضح فقط بل تقي إذ إن الأنظمة الذكية التي ترصد الإنفاق وتتابع المشاريع وتربط بين الأداء والنتائج تضع السارق والمفسد في وجه الضوء قبل أن يرتكب جريمته لذا نحن نحتاج لإعادة كتابة عقود الدولة مع نفسها ومع شعبها عبر (منصة رقمية قومية موحدة)تتكامل فيها نظم /الضرائب/العقود/الترقيات/الصفقات /الميزانيات بل وحتى الشكاوى الشعبية
حينها فقط سنرى دولة تتعامل مع مواطنها (#كـشريك لا #كمصدر اساسي للجباية).
#ثانيا: ما بعد الحرب(#لحظة مناسبة أم تهرّب مستمر..؟؟
#بعد كل هذه الخسارات والدمار الذي حل بالوطن والمواطن ما الذي تبقى لنخسره إن لم نبدأ مشروع الإصلاح من جذور الدولة..؟
فالحرب العبثية العمياء والتي لا تزال تفتك بالبلاد من اجل سلطة زائلة مزقت الخرائط الجغرافية والنسيج الاجتماعي نعم لكن /مزيتها انها (#كشفت خرائط الفساد والهشاشة المؤسسية فما رأيناه في /الإدارات المهجورة و/المستندات التي نهبتها المليشيات و/الصفقات المشبوهة والتي تُدار عبر /#قروبات واتساب كلها علامات تدل على أن النظام الإداري المتهالك لا يصلح للبقاء
وهذه اللحظة إن استغلتها النخب الوطنية الصادقة فهي فرصة ذهبية لبناء مؤسسات على قواعد رقمية محكمة تعيد للمواطن الثقة التي طالما سرقت منه عبر الانقلابات وتمجيد البندقية باسم الوطنية الزائفة…!!
#ثانيا:أين نبدأ..؟ من التوثيق إلى القضاء:
فالخطوة الأولى في رقمنة الدولة تبدأ /بتوثيق أملاك الدولة والأفراد ثم إتاحة ذلك التوثيق للجميع فيجب أن يعرف
#من يملك ماذا..؟؟
ومتى وكيف ملك..؟؟
#وبموجب أي مستند قانوني نظامي ملك ثم ينتقل المشروع إلى القضاء:
فلا إصلاح حقيقي لاي دولة دون رقمنة القضايا والمسارات العدلية وذلك بإتاحة الأحكام وقرارات القضاة للعامة ليعلم الناس إن كانت العدالة تعمل أم تتعطل حسب أهواء الجنرالات والساسة…؟؟
والرقمنة كذلك يجب أن تطال الخدمة المدنية من طريقة التوظيف لسجلات الحضور ومن الترقية للمحاسبة فموظف الدولة يجب أن يعلم أن هناك نظاما شفاف يراقبه لامزاج وسلطة مسؤول فاسدا يحميه.
#ثالثا: العقبات: من يقاوم..؟ ولماذا..؟
أعداء التحول الرقمي في السودان معروفون
١/#المتنفذون الذين يستفيدون من غياب التوثيق.
٢/المفسدون الذين بنوا ثرواتهم على ظهر الفوضى الورقية.
٣/الذين يرون أن الشفافية تضعف هيمنتهم السياسية والقبلية على كافة موارد وسلطة الدولة.
هؤلاء هم من سيحاربون الرقمنة كما حاربوا الثورة المجيدة وسيجعلون من كل مشروع تحديث /مشروعا أجنبياً مشبوهاً يجب نبذه أو /اوزعموا بأنها (مؤامرة ضد القيم) في حين أن القيم الدينية والوطنية نفسها تطالب #بـالعدل والشفافية والمساءلة..!!
#ثالثا: التجارب المشابهة هل في الجوار من دليل..؟
نقولها بكل صراحة نعم
١/#فرواندا الصغيرة الجريحة التي خرجت من الإبادة لم تجد لنفسها طريقا أقصر إلى التعافي من الرقمنة فتحولت إلى نموذج في تقديم الخدمات عبر التطبيقات الذكية وسجلت قفزات في ثقة الناس بدولتهم.
٢/تونس بالرغم من ارتباكاتها السياسية أسست لجيل جديد من الإدارات الرقمية فلماذا لا نبدأ نحن..؟
ونحن من علم العالم أول ثورة شعبية أفريقية رقمية سلمية..؟
#رابعا: مقابلات وشهادات خبراء وتقارير دولية حول التحول الرقمي كطريق نحو الشفافية في سودان ما بعد الحرب:
=شهادة خبير وطني في نظم المعلومات م. الطيب عبدالرؤوف (أخصائي الحكومة الرقمية بالخرطوم) قال ان:
((نظام الدولة في السودان ما قبل الحرب لم يكن يفتقر فقط للرقمنة بل كان يعاديها ضمنيا لأن النخب الحاكمة لم تكن ترغب في نظام يسجل ويظهر من يملك ماذا وكيف تدار وتصرف الأموال ومن ثم توظيفه بموجب الكفاءة أو الولاء فعندما كنا نحاول إدخال نظام أتمتة الإجراءات في بعض الوحدات الوزارية كانت تواجهنا مقاومة داخلية لا لقصور فني بل لخوف إداري من #كشف اللعبة فالرقمنة ليست مجرد أجهزة وشبكات بل إنها سلوك شفاف يرفضه المستفيدون من الغموض.
= شهادة موظف في مصلحة الضرائب محمد الفاتح (الخرطوم سابقا لاجئ حالي في القاهرة) قال:
كنا نرى فسادا واضحا لا يمكن مقاومته فالشركات الكبيرة تدفع أحيانا أقل من أصحاب البقالات لأن ملفاتها تختفي أو تقيم بطرق ملتوية ويوم دخلت لجنة مشروع الحوسبة تم تجميد المشروع بعد أسابيع قليلة دون توضيح رغم أننا كنا على وشك ربط 70% من الإيرادات بنظام مركزي رقمي كان يمكن أن يضاعف ذلك دخل الدولة لكنه هزم من داخل الدولة نفسها..!!)
=تقارير دولية وإقليمية نماذج حية:
١/تقرير البنك الدولي 2021 عن الحوكمة في الدول الخارجة من النزاع
حيث أشار التقرير إلى أن التحول الرقمي هو أداة مركزية في استعادة العلاقة بين المواطن والدولة مشيرا إلى أن دولا مثل /جورجيا و/أوكرانيا و/رواندا استعادت شرعيتها الشعبية من خلال تبني أنظمة رقمية لمراقبة المال العام والشفافية الإدارية.
٢/تقرير الأمم المتحدة برنامج UNDP عن السودان (2022)
ورد في التقرير أن (محاولات الرقمنة في السودان قبل الحرب كانت مجتزأة وغير ممنهجة وعانت من التسييس وغياب الإرادة السياسية ويوصى بأن يكون التحول الرقمي /جزءا من اتفاق سلام شامل يحصّن هذه المشاريع من نفوذ أمراء الحرب)
ففتجربة رواندا شهادة رئيسا/#بول كيغامي في مؤتمر التحول الرقمي الأفريقي (2023) والتي #قال فيها
((لم نكن نملك الكثير من الموارد لكننا قررنا أن كل مواطن يجب أن يحصل على خدماته من الحكومة دون أن يدفع رشوة فالتكنولوجيا فعلت لنا ما لم تفعله الجيوش…!!))
= رأي خبيرة دولية د.هيلين هانسون خبيرة التحول الرقمي في منظمة الشفافية الدولية اذ قالت:
((في البلدان الخارجة من النزاع من المهم حماية الرقمنة من التسييس فلا بد أن تكون منصات البيانات والإجراءات الرقمية خاضعة لمعايير النزاهة الدولية وأن تدار من جهات مستقلة أو بمشاركة شعبية فالرقمنة ليست سحرا لكنها منظومة إذا أُديرت بشفافية ووفق إطار تشريعي نزيه وتحدث ثورة هادئة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم))
#خامسا :ماذا يمكن أن تفعل الرقمنة في ملفات محددة وكيفية الوضع قبل الحرب والفوائد المتوقعة من الرقمنة؟؟:
١/الضرائب تلاعب في التقييم والتهرب الضريبي عدالة ضريبية وربط مباشر بين الدخل والضريبة
٢/القضاء حيث بطء الإجراءات وتضارب الأحكام شفافية وسرعة عبر النظام الإلكتروني القضائي.
٣/الأراضي تزوير الملكيات وازدواج البيع قاعدة بيانات موحدة للملكية العقارية
٤/الخدمة المدنية توظيف بالولاء لا بالكفاءة وتوظيف شفاف قائم على المفاضلة الرقمية:
#سادسا: ماذا يقول النازحون..؟
من مقابلة مع نازحة من نيالا تعمل مع منظمات مجتمع مدني في الأبيض تقول:
((لو كانت بياناتنا موثقة رقميا لما كنا نحتاج للبحث عن بطاقاتنا أو إثباتات الملكية التي أُحرقت فالرقمنة كانت ستحفظ لنا حقوقنا وتاريخنا والدولة التي لا توثق لمواطنيها لاتستحق احترامهم)) ترى ما العمل…؟
لبناء السودان من جديد لا نحتاج فقط إلى طوب وأسمنت بل الى نظم رقمية شفافة تحفظ الحقوق وتسائل المسؤولين فالتحول الرقمي يجب أن يكون بندا أساسيًا في أي اتفاق سياسي قادم ويجب أن يشرف عليه جسم مستقل عن الأحزاب والكتل العسكرية،
ويشرّع له قانون لحماية البيانات وحرية الوصول للمعلومة شريطة ان يتكامل مع /التعليم/القضاء/الاقتصاد/ والخدمة العامة وعلى حكومة ما بعد الحرب التي يرتضيها الشعب أن تعلن فورًا /رؤية للتحول الرقمي تحظى بدعم دولي بعيدا عن المحاصصات والتمكين عبر تمجيد البنادق وإلا سنكرر نفس المأساة بوسائل جديدة.
#ختامًا: الطريق صعب لكنه أوضح من أي وقت مضى:
كتب هذا المقال لاكتوصية بل #كاعتراف شعبي(#بأننا لن نثق في حكومات ما بعد الحرب إن /لم تبدأ بمشروع رقمنة حقيقي وجاد نحن بحاجة لشفافية تعيد ثقتنا في الدولة ولن تكون هناك نزاهة دون توثيق ولا توثيق دون رقمنةفما المانع من ان يكن هذا هو العهد الجديد أن ندير الدولة كما تدار الشركات الكبرى…!!
وأن نحمي المال العام عبر تقنيات التتبع والمراجعةوأن نخضع كل مسؤول مهما علا لعين الشعب فمن الرقمنة تبدأ النزاهة ومن النزاهة تولد الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى