الأعمدة

تحول اللصوص إلى مقاتلين ، وتآكل العدالة في السودان!!!

العدالة الإنتقائية بعض أخطر إفرازات الحرب:

محمد الفاتح حضرة
#شهد السودان، على مدار العامين الماضيين، تحولاً مأساوياً عميقاً في نسيجه الاجتماعي والأمني.
فبالإضافة إلى ويلات الحرب المستعرة، ظهرت ظاهرة #مقلقة تتمثل في تحول اللصوص ومعتادين الإجرام إلى مقاتلين ضمن الميليشيات المسلحة.
هذه الظاهرة لا تزيد الوضع الأمني سوءاً فحسب، بل إنها تُشكّل تحدياً جسيماً أمام أي محاولة مستقبلية لإعادة بناء دولة القانون.
🛑هروب من العدالة تحت غطاء السلاح.
#قبل اندلاع الصراع الأخير في السودان، كانت الجرائم الجنائية كالسرقة والنهب تُقابل بإجراءات قانونية من قبل النيابة العامة والأجهزة الأمنية. أما الآن، فقد وجد الكثير من هؤلاء المجرمين ضالتهم في الفوضى العارمة.
أصبح الانضمام إلى إحدى الميليشيات، سواء كانت تقاتل في صف الدعم السريع أو مع الجيش مثل “قوات البراء بن مالك”، أو “درع الجزيرة” بقيادة أبو عاقلة كيكل، أو إحدى حركات دارفور المسلحة المنضوية تحت اتفاقية سلام جوبا، أو حتى المجموعات القبلية المستنفرة، هو الملاذ الآمن والغطاء الذي يحميهم من المساءلة القانونية.
هذه المجموعات الإجرامية ، التي باتت تتخذ من الإستنفار والقتال ذريعة لوجودها، صارت تستقبل هؤلاء اللصوص والمجرمين، وتُضفي عليهم شرعية زائفة تحت مسمى “المجاهدين”
أو
“المستنفرين”.
وبدلاً من أن يخضع هؤلاء للمحاسبة على جرائمهم، باتوا يجدون أنفسهم جزءاً من كيان مسلح يمنحهم الحصانة ويُشرّع لهم ممارسة النهب والسرقة والاتجار بالمسروقات جهاراً نهاراً، مستغلين حالة الفراغ الأمني وغياب سيادة القانون.
🛑استغلال الدعم السريع للمجرمين.
خلال فترة الحرب، إنضمت مجموعات هائلة من اللصوص والعصابات الإجرامية، السودانية منها والعابرة للحدود، إلى صفوف قوات الدعم السريع.
هذه العناصر الإجرامية قد استغلت الوضع لتمارس كل أنواع السرقة واللصوصية والنهب والاغتصاب ضد المدنيين الأبرياء.
لقد اعتدوا على البيوت ونهبوا محتوياتها واستخدموا سيارات المدنيين في عملياتهم العسكرية والتي لم يجد الجيش حرجاً في قصفها وحرقها !!!
إعتدت قوات الدعم السريع علي بيوت المدنيين واتخذوها مقرات وثكنات أو ارتكازات عسكرية، مما حوّلها الي أهداف عسكرية قام الجيش دون حرج بقصفها وتدميرها دون أي تعويض أو مسؤولية أمام ملاكها من المدنيين الأبرياء !!!
ما يزيد الأمر تعقيداً هو أن أعداداً كبيرة من المدانين الهاربين من السجون بعد اشتعال الحرب قد باتوا ضباطاً وقادة ضمن المستنفرين في صفوف قوات الدعم السريع، وخاصةً ضمن قوات أبو عاقلة كيكل.
يُعرف أن البيئة التي ينحدر منها كيكل ، بيئة ومنطقة اعتاد أهلها على ممارسة ما يُسمى بـ”الهمبتة”، وهو شكل من أشكال النهب والحرابة وقطع الطريق، مما يوضح مدى تغلغل العناصر أصحاب النزعة الإجرامية في داخل هذه التشكيلات.
🛑انتهاكات تتجاوز خطوط الصراع.
#والمؤسف حقاً هو أن هذه الانتهاكات لم تقتصر على جهة واحدة. ففي أغلب المناطق التي خرجت منها قوات الدعم السريع ودخلتها قوات الجيش والميليشيات المتحالفة معه ، حدثت ذات عمليات الاعتداء على بيوت المدنيين!!!
حيث تم كسرها والدخول إليها عنوة في غياب أهلها، والإقامة فيها، وسرقة بعض محتوياتها، ومنع ملاكها الأصليين من العودة إليها !!!
هذا يشير إلى أن الفوضى والفساد قد طالا أطرافاً متعددة في هذا الصراع، وأن حماية المدنيين وممتلكاتهم قد تدهورت بشكل خطير على أيدي أطراف يُفترض بها حمايتهم!!! 😓
🛑العدالة (الانتقائية) وتآكل دولة القانون.
#تُضاف إلى هذه الصورة المأساوية ملاحظة خطيرة تتعلق بـالعدالة (الانتقائية) التي في تقديري قد باتت تُمارسها دون حرج النيابة العامة وبعض الأجهزة العدلية والقضائية الأخري في السودان منذ اشتعال الحرب !!!
فالمتابع لأداء وعمل هذه المؤسسات العدلية يلاحظ تركيزاً واضحاً على محاكمة من لا ينتمون إلى الجيش، أو من لا يناصرونه في قتاله ضد قوات الدعم السريع.
يتم التركيز بشكل لافت على الخصوم السياسيين والنشطاء المدنيين المحسوبين على قوى ثورة ديسمبر المجيدة، أو على من ينادون بوقف الحرب، أو حتى على أولئك المدنيين الأبرياء الذين آثروا البقاء في بيوتهم في المدن والقرى التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع، والذين بات يتم وصفهم زوراً وبهتاناً بـ”المتعاونين مع الميليشيا”.
😓للأسف الشديد، أعتقد أن أداء النيابة العامة والكثير من المحاكم الابتدائية ، قد إتسم بـالانحياز الظاهر لمعسكر الجيش وأنصاره من جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وبقية المتحالفين المساندين لهذا المعسكر.
ولعل من أغرب ما قررته النيابة العامة وتلك المحاكم هو غض الطرف عن الجريمة (المستمرة) التي قد ارتكبها قادة الجيش الحاليين بتقويضهم النظام الدستوري والانقلاب على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021..
#نلاحظ كيف أن الأحكام الابتدائية الصادرة أثناء الحرب تعمدت إضفاء الشرعية على البرهان وحكومة الوضع الراهن، واعتبرت أن كل من ينادي أو يعمل على مقاومة الانقلاب أو ينتقد قادة الجيش الانقلابيين، إنما هو مجرم يدعو إلى إثارة الحرب وتقويض النظام الدستوري !!!
لعل في هذا تناقض صارخ مع حقيقة الواقع الدستوري في السودان ، حيث أن نظام البرهان ليس نظاماً دستورياً بأي حال من الأحوال ، بل هو نظام عسكري انقلابي قام بارتكاب جريمة تقويض النظام الدستوري الذي أرسته ثورة ديسمبر المجيدة.
🛑عواقب وخيمة على المجتمع والدولة:
(الدائرة الجهنمية)
إن تغلغل العناصر الإجرامية في صفوف الميليشيات والتشكيلات العسكرية، بالإضافة إلى تآكل مفهوم العدالة وسيادة القانون، يُنتج عواقب وخيمة على عدة مستويات..
فإنه يدفع السودان نحو “دائرة جهنمية” من المشكلات التي تُفاقم بعضها البعض.
فالفوضى تُضعف سلطة القانون، مما يُشجع المجرمين على الانضمام إلى الميليشيات بحثاً عن الحماية..
هذا بدوره يُؤدي إلى انتشار الجرائم والنهب والإفلات من العقاب، وهو ما يُقوض الثقة في المؤسسات القضائية ويُغذي استمرار الصراع والفوضى.
*🛑 تدهور الأمن المجتمعي:
يزداد معدل الجريمة المنظمة والعشوائية، وتُصبح حياة المواطنين وممتلكاتهم في خطر دائم، مما يُعمّق حالة اليأس والخوف.
*🛑 تشويه صورة الصراع:
تتحول أهداف القتال المعلنة إلى مجرد ستار لعمليات النهب المنظمة، مما يُفقد أي شرعية يمكن أن تدعيها هذه المجموعات.
*🛑 عرقلة بناء الدولة: عند انتهاء الصراع، ستُشكل هذه الميليشيات، التي تضم في صفوفها مجرمين، عقبة كبرى أمام عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR)..
فكيف يمكن دمج من اعتاد على الإجرام تحت غطاء السلاح في مجتمع مدني يسوده القانون؟
*🛑 إفلات المجرمين من العقاب:
تُقوض هذه الظاهرة مبدأ العدالة وتُرسخ ثقافة الإفلات من العقاب، مما يجعل من الصعب جداً إعادة ترسيخ سيادة القانون في المستقبل.
*🛑 فقدان الثقة في المؤسسات القضائية: عندما تُظهر الأجهزة العدلية انحيازاً واضحاً لحكومة الأمر الواقع وأجهزتها التنفيذية والعسكرية ، يفقد المواطن ثقته في قدرة هذه المؤسسات القضائية على تحقيق العدالة، وهذا مما سيُعيق أي جهود لإعادة بناء الدولة المدنية الحديثة .
🛑طريق العودة إلى دولة القانون.
تتطلب معالجة هذه الظاهرة إرادة سياسية حقيقية لوضع حد للفوضى، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والقضائية بشكل يضمن الإستقلال لهذه المؤسسات و عدم إفلات المجرمين من العقاب، بغض النظر عن انتماءاتهم أو توجهاتهم السياسية أو العقائدية أو الفكرية .
يجب أن يكون هناك فصل واضح بين المهام العسكرية والأمنية ومهام إنفاذ القانون المدني.
أعتقد أنه يتوجب على المجتمع الدولي الضغط من أجل إنهاء الصراع في السودان مع تقديم الدعم لإعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية ، لكي لا يصبح الانضمام إلى ميليشيا هو الملجأ المتاح أمام كل المحرمين من أجل الهروب من العدالة، ولكي تستعيد العدالة مكانتها كركيزة أساسية لبناء مستقبل السودان.
فالسودان لا يستطيع أن يتحمل استمرار هذه الدائرة الجهنمية من الإجرام تحت غطاء الحرب وتآكل العدالة.

زر الذهاب إلى الأعلى