الأعمدة

هذا المقال ليس للبلابسة .. “البلابسة لا يقرأون”

#image_title

#image_title

مجاهد بشري
منذ استقلال السودان وتعاقب الحكومات عليه، كانت أكثر مؤسسات الدولة خطراً، وخصماً على تقدم البلاد نحو الحكم المدني هي المؤسسة العسكرية، وهي المؤسسة الوحيدة التي تمتاز بأنها الأسهل اختراقاً من قبل التنظيمات السياسية، والمحاور الخارجية، بسبب فساد، وعدم وطنية منسوبيها، وجهلهم الذي يصوّر لهم بأنهم أفضل من بقية مواطني الشعوب السودانية بكل فئاتها.
فكانت إسهاماتها في إشعال الحروب، وتنفيذ الانقلابات العسكرية، وتعطيل مسار الحكم المدني والديمقراطي طوال مسيرتها هي أكثر ما تبرع فيه، بجانب قتلها لملايين السودانيين الذين يعارضون تسلطها، أو يرفضون الانصياع لها.
جماعة الهوس الديني المتمثلة في الإخوان المسلمين “الحركة الإسلامية” فهمت منذ أمد بعيد طبيعة العسكر، وتشبثهم بالسلطة التي لا يملكون سوى بندقيتهم للبقاء فيها على حساب رفاه وأمن السودانيين، وبما أن طبيعة الشعوب السودانية رغم اختلاف معتقداتها وأديانها، إلا أنها تمتاز بالاعتدال والوسطية، والتصوف الغالب عليها بمعناه العام، كانت ترى في تجربة الإسلاميين مع الطاغية جعفر نميري في إعلان الشريعة، وتقييمها لنظام الإسلام السياسي أنه أسوأ نظام، وتجربة مريعة يجب منع أصحابها من الوصول إلى السلطة مهما كان الأمر.
إدراك الحركة الإسلامية لهذه الحقيقة جعلها تتغلغل في مفاصل المؤسسة العسكرية المخترقة من جميع الاتجاهات، من ثم هدم عقيدتها العسكرية وتحويلها من مؤسسة قومية، إلى مليشيا لا يدين منسوبيها فقط للحركة الإسلامية بالولاء، بل يعتنقون معتقداتها الفاسدة، ويتصرفون كعضوية للحركة وليس كأفراد في مؤسسة قومية.
فأصبح الإسلاميون ينظرون إلى الجيش على أنه الأداة والطريق الوحيد للوصول إلى السلطة التي لن يصلوها في ظل تنافس مدني ديمقراطي حقيقي، أو عبر صندوق الانتخابات، وأصبح الجيش يرى المتأسلمين على أنهم المجموعة الوحيدة المستعدة لتلطيخ يدها بدماء السودانيين معه دون حياء من أجل السلطة وبريقها، دون أي وازع من أخلاق أو دين.
فكان انقلاب 1989م على سلطة شرعية طرفاه الجيش والحركة الإسلامية، حيث أصبح العسكر هم حماة المشروع الجهوي والعنصري، والديني الجديد، وطوال ثلاثين عاماً برع نظام الجبهة الإسلامية في ترويع السودانيين وإذلالهم، وارتكاب جرائم تطهير عرقي، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، كلها بسلاح الجيش الذي أصبحت عقيدته القتالية هي إراقة دماء هذه الشعوب السودانية، ومناصرة خطاب الكراهية ضدها، والتقليل من إنسانيتها من أجل منع التعاطف مع قضاياها، بل لا يحمل ضابط في الجيش النياشين، وعلامات أركان الحرب إلا بمقدار الحروب والمعارك التي خاضها ليس تجاه عدو خارجي، بل ضد المواطنين السودانيين، والترقيات تأتي بعدد الأرواح التي حصدها منهم.
وإظهاراً لاعتناقه فكر الإخوان المسلمين المتطرف، بارك الجيش تحويل السودان لبؤرة تجمع كل قادة التنظيمات الإرهابية في العالم، وتحويل البلاد إلى قاعدة انطلاق للهجمات الإرهابية، وجعلها مهدداً للأمن والسلم الإقليمي والدولي، مما جلب لها الحصار والتصنيف برعايتها للإرهاب، وهو ما أضر بالمواطنين السودانيين حول العالم، بينما كان قادة الجيش وضباطه يبتلعون ما تبقى من اقتصاد السودان، ويتاجرون بكل شيء من اللحوم والمحاصيل الزراعية، إلى حطب وفحم الغابات، وتهريبهم للذهب.
هذه التوأمة والعلاقة المحرمة بين العسكر والإسلاميين، جعلت من الجيش الذراع الأيمن لهذا التنظيم الإرهابي، وسيفاً مسلطاً على رقاب الشعوب السودانية.
فمن يخرج عن طوعهما، يُعتبر خائناً عديم الوطنية، وعميلًا لاستعمار أجنبي اخترعته عقولهم، وهم عملاء لدول كثيرة بشهاداتهم، أو تصبح التهمة بأنك غير سوداني بالمرة.
وعند اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة التي اقتلعت نظام الإسلاميين الفاسد، كان الخطأ الأكبر الذي ارتكبه الثوار هو ذهابهم بأقدامهم إلى مقرات ما ظنوه بأنه جيش السودان، وكلنا يعلم بما حدث، فقد غاب عن بصيرتهم أن هذه المجموعة المارقة، والمجرمة من العسكر، التي ظلت تتآمر على الشعوب السودانية منذ الاستقلال، تعلم بأن بقاء منظومتها في استمرار منظومة الإسلاميين الذين لا يتورعون في إراقة كل الدماء من أجل السلطة، فهم شركاء في دماء الشعوب السودانية، وهو الوقود الذي يحرك منظومة بقائهم في السلطة.
عقب توقيع اتفاق سلام جوبا، كان المشهد العسكري في البلاد يتكون من الجيش، جهاز المخابرات، الشرطة، والدعم السريع “كجيش موازٍ للقوات المسلحة”، وفقاً للمرسوم الدستوري 34 والذي وقعه قائد الجيش ويقضي بإلغاء تبعية هذه القوات للقوات المسلحة، حيث نص اتفاق السلام في بند الترتيبات الأمنية على دمج الحركات المسلحة في هذه الأجهزة النظامية، “وفقاً للتعريف الوارد في الوثيقة الدستورية، واتفاق جوبا”.
ومن هنا تبدأ فصول الحرب، وتصل الأحداث إلى ذروتها، لتقود إلى حرب دمّرت السودان والسؤال هو:
لماذا وكيف؟
في الـ25 من أبريل 2014، أقر عبد الحليم المتعافي، أحد كبار قادة الحركة الإسلامية بأن تنظيمهم رسّخ للقبلية، والجهوية في السودان، ووصف ذلك بأنه أكبر خطأ، فاقم من مشاكل السودان الحالية كلها، وأن الحركة الإسلامية أصبحت تنظيماً عنصرياً يعمل بمبدأ الجهوية والقبلية.
ما قاله عبد الحليم يسهّل شرح أهم نقطة في هذه المقدمة، وهي أن الحركة الإسلامية بعد أن نجحت في إفساد عقيدة الجيش، وتحويله لمليشيا عسكرية تأتمر بأمرها، وتدين بفكرها، حرمت جميع السودانيين الذين لا يدينون بالولاء للحركة من الدخول إلى الكلية الحربية، وأصبح الجيش وجهاز الأمن والشرطة حكراً على المنتمين للتنظيم فيما أسموه بسياسة التمكين، وعملت الحركة سراً على تكريس الترقيات والقيادة العسكرية والأمنية في يد مجموعات قبلية معينة، وهو ما أقرّ به المتعافي.
هذا التكريس الجهوي والعنصري ازداد عمقاً بعد المفاصلة الشهيرة بين الإسلاميين أنفسهم في 1999، حيث أصبحت قيادة الحركة الإسلامية التي في السلطة من إقليم معين، وانعكس ذلك على كل الأجهزة التي تسيطر عليها الحركة، ومن أهمها الجيش والمخابرات، حيث صار من غير المرجح أن يتم قبول أي سوداني من خارج هذه الأقاليم في هذه الأجهزة، فالحركة الإسلامية التي قامت بالانقلاب كمشروع إسلامي جامع وفقاً لمفهومها، أصبحت الآن حركة إسلامية بالمسمى، تريد فرض عروبة زائفة على الشعوب السودانية، والتغول على ثرواتها تحت حماية ذراعها العسكري الذي استفاد هو كذلك من هذا الفساد، وبالتالي فالحرص على أن يكون قادة الجيش ومؤسسات الدولة فقط من مناطق معينة، يضمن لها الولاء الإثني، والعرقي، وأي محاولة للإخلال بهذا التوازن تعني انهيار مشروع الحركة، وفقدانها لأقوى سلاح “الجيش”، وليس لأن الجيش جيش قومي أو قوي، بل لأنه يمنحها شرعية حمل السلاح من وراء ستار، ويجعلها قادرة على تخريب أي مشهد وارتكاب الانقلابات، وإشعال الحروب من أجل تشديد قبضتها.
بمعنى أن أي محاولة لإدخال عناصر جديدة ضمن قيادة الجيش، يتعارض مع أهداف المفاصلة، وينهي سيطرة الحركة الإسلامية “المناطقية” على الجيش، وبالتالي السلطة، ما يعني ملاحقة قادتها وقادة الجيش ومحاسبتهم على كل جرائمهم، وهو أمر لن تسمح به أبداً.
وبالعودة إلى اتفاق جوبا للسلام، كانت أحد المهددات الخطيرة التي يمثلها هو بند الترتيبات الأمنية الذي يسمح بدمج مقاتلي الحركات التي قاتلت من أجل إسقاط ذات النظام داخل الجيش، والدعم السريع، وبالتالي الإخلال بالمعادلة التي أشعلت الحركة الإسلامية “المناطقية” بسببها حرب دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق وغيرها…
وتعني أن تصبح قيادات الجيش الجديدة عناصر لا تدين بالولاء ولا التبعية لهذا التنظيم الإرهابي، مما يهدم تخطيطاً يزيد عن الخمسين عاماً، ويفتح الباب أمام تغيير في السلطة، وفي تركيبة الجيش، وفي المشهد السياسي السوداني بصورة دراماتيكية إلى الأبد، مما يعني أن أداة الإسلاميين التي صنعوها للوصول إلى السلطة لم تعد في أيديهم، بل في يد ضحاياها الذين قتلت الملايين منهم.
المدنيون، وقوى الثورة كانوا أحرص الناس على جيش قومي جديد، وإنهاء تفكيك نظام الإسلاميين، وكان في ظنهم أن حركات اتفاق سلام جوبا ستكون عوناً في وضع اللبنات الأولى لهذا الجيش، وأن يكونوا على وعي وإدراك بخطورة وأهمية هذا الأمر، ومساهمته في إنهاء أسباب الحروب في السودان.
لذلك حرصت الحركة الإسلامية والجيش على ألا يتم تنفيذ هذا البند أبداً، وهو ما صرح به رئيس لجنة الترتيبات الأمنية بسلام جوبا الدكتور سليمان صندل.
وهو ما استوعبه قادة الدعم السريع الذي صنع قواتهم ذات النظام لحمايته، تحت فقه ادخار القوة، للدفع به كقوة تقاتل بدلاً عن الجيش بفهم ادخار القوة، تجنباً لتعرض جيشها الموجود للإخلال في توازناته الطبقية والعرقية الدقيقة، وتجعل الحرب بعيداً عن مراكزها الحضرية، وتحصرها في أماكن اشتعالها، دون أن تتخيل في يوم أن يخرج عن طوعها، ويصبح أحد المهددات الوجودية لمشروعها.
وعبر جيشها، أقنعت الحركة الإسلامية الدعم السريع، والحركات المسلحة بضرورة الانقلاب على المدنيين تحت دعاوى توسيع إطار المشاركة في العملية السياسية، ما تمخض عنه انقلاب كامل على حكومة الفترة الانتقالية، وهو انقلاب اعترف به قائد الدعم السريع منتصف 2022م.
هذه التطورات أدت لتصعيد الخلافات بين الجيش والدعم السريع بسبب انكشاف هذا الأمر للأخير، وإدراكه لأنه لعبة في هذا السيناريو العنصري البغيض، حتى وصلت الأمور مجدداً للاتفاق الإطاري، والذي شكّل تهديداً أكبر من اتفاق سلام جوبا…
تهديداً يوضح أسباب هذه الحرب..
ويحكي تفاصيل مذهلة وصولاً للإجابة عن السؤال:
لماذا تم تعيين نور الدايم وزيراً للمعادن؟
وما أهمية هذا السؤال؟
وما علاقته بهذه المقدمة؟
كل هذا في الجزء الثاني و الآخير من هذا المقال.

زر الذهاب إلى الأعلى