الأعمدة

أنا لست سياسيًا. لا أجلس في لجان التفاوض، ولا أكتب البيانات، ولا أعدّ الحشود. لا أُجيد رفع الشعارات، ولا أبدّل مواقفي مع تغير الرياح.

عاتبني بعض الأصدقاء على ما كتبته بالأمس عن انهيار البلاد، ورأوا فيه لغةً مثبطة، يائسة، ومفرطة في التشاؤم… لهم، ولكم، وللجميع أقول:
أنا لست سياسيًا.
لا أجلس في لجان التفاوض، ولا أكتب البيانات، ولا أعدّ الحشود.
لا أُجيد رفع الشعارات، ولا أبدّل مواقفي مع تغير الرياح.
لكن هذا لا يجعلني محايدًا.
لأني، ببساطة، أعيش هناك وانا هنا.
وأتنفس وجع هذا البلد كل صباح،
وأمشي على إسفلت مشروخ يعرف أسماء الموتى أكثر مما يعرف أسماء الأحياء.
أنا لست سياسيًا، ولم أطرق يومًا أبواب الأحزاب.
لا أُجيد الخطابة، ولا أحفظ أسماء العواصم التي تتآمر،
ولا أصدّق أن بيانات الإدانة تغير شيئًا.
لكني أعرف هذا البلد حين يتألم،
وأحسّ نبضه حين يُذبح في صمت.
أنا لا أنتمي لتيار، ولا أتقن لعبة الاصطفاف،
لكني حين أرى طفلاً يُنتشل من تحت الركام،
لا أسأل عن ديانته، ولا عن الجهة التي قصفت.
أنحاز له. وهذا يكفي.
أنا لست محايدًا.
كيف أكون؟
وهذه الحرب تأكل ما تبقّى من أهلٍ وتاريخٍ وشارعٍ ومساءٍ هادئ؟
كيف أصمت، والبيوت تُخلع أبوابها،
والنساء يُسرقن في وضح الموت،
والمقاتلون يتكاثرون مثل الوباء؟
أنا لا أملك خطة سلام،
لكن قلبي يرتجف كلما رأيت اسم مدينة سودانية مرفقًا بكلمة “مجزرة”.
ولا أحتاج دليلًا حين يقول لي حدسي إن هناك من يتاجر بخرابنا،
ومن يقتات على الفتنة كما يقتات الذباب على الجثث.
أنا لست سياسيًا،
لكن رأسي يدور كلما سمعت كلمة “تحرير”.
أيّ تحرير هذا الذي يمشي على جماجم الأطفال؟
أيّ انتصار هذا الذي تُعلَن فيه البيانات فوق جثث النساء؟
أيّ سيادة تُبنى على عظام المدن المهدّمة؟
أنا لا أفهم المصطلحات الثقيلة التي يحبها الساسة.
لا أفهم معنى “توازن الردع”، ولا “المعادلة الإقليمية”، ولا “إعادة تموضع”ولا حتى “دولة 56”.
لكني أفهم هذه المرأة التي فقدت خمسة من أطفالها.
وأفهم ذاك العجوز الذي ينتظر تحويلًا ماليًا من ابن لا يعرف إن كان حيًا أو ميتًا.
وأفهم الفتاة التي كانت تحلم بإكمال جامعتها فصارت اليوم تبيع المناديل على ناصية شارع في بلاد اللجوء.
أنا لست سياسيًا،
لكن عشت بما يكفي لأفهم أن من يشعلون الحروب لا يحاربون،
ومن يفاوضون على موائد الفنادق لا ينامون في العراء،
ومن يتحدثون عن السيادة لا يعرفون كيف يقفون في طوابير الخبز.
أنا لست سياسيًا،
لكني أعرف أن بعض من يهتفون للجيش، لا يحبون الوطن، بل يخافون زوال امتيازهم.
وأعرف أن بعض من ينادون بالمدنية، لا يريدون الحرية، بل موقعًا في قاعة التفاوض.
وأعرف أن الحرب ليست بين خير وشر، بل بين قوتين لا تسألان عن الإنسان،
ولا تريان فيه إلا ورقة ضغط، أو رقمًا في نشرة الأخبار.
أنا لا أبيع الكلام.
ولا أعتقد أن للحياد في زمن القتل فضيلة.
الحياد الآن يعني أنك ترى ولا تبالي،
تسمع ولا تندهش،
تقرأ ولا تنكسر.
أنا لست سياسيًا،
لكن كل خلية في روحي ترفض هذا الجنون.
ترفض أن تُنهب الخرطوم باسم السيادة،
أو تُغتصب الفاشر باسم التحرير،
أو تُجَوّع مدني باسم الوطنية.
وأقولها بوضوح:
أكره هذه الحرب المُسمّاة “الكرامة”، وهي في حقيقتها “حرب ندامة”.
ندامة على الدم الذي أُهدر،
على المدن التي سُوّيت بالأرض،
على القيم التي أُبيدت باسم شعارات جوفاء،
على رجال صدّقوا أنهم يقاتلون من أجل الوطن، فإذا بهم يحرسون مصالح الطامعين.
أنا لا أنتمي إلى أحد.
لكني أنتمي إلى هذه الأرض.
إلى رائحة المطر على ترابها،
إلى لهجات أهلها،
إلى الغناء الجماعي في لياليها،
إلى الكرامة التي كانت تملأ الميادين ذات ربيع.
أنا لا أنتمي لحكومة ولا لفصيل،
لكن أنتمي لطفل لاجئ يبكي لأنه فقد لعبته.
أنتمي لأم تمشي مئات الكيلومترات بحثًا عن مأوى.
أنتمي لشاب كان يكتب الشعر وصار الآن يحفر القبور.
أنا لست سياسيًا،
لكن أستطيع أن أقول بثقة:
من يشعل حربًا في وطنه ليس وطنيًا،
ومن يقايض حياة الناس بالسلطة ليس قائدًا،
ومن يتفرج على النزوح ثم يُلقي اللوم على الضحية ليس قديسا، بل شريك في الجريمة.
ولذلك، أكتب.
لأن الصمت صار طعنة،
ولأن الحياد صار قناعًا يرتديه الجبناء،
ولأننا، إن لم نقل الحقيقة،
صرنا مثلهم.
أنا لست سياسيًا،
لكنني أعرف تمامًا أن هذا الخراب لن تُصلحه لجان الصلح.
وأن هذه الدماء لا تُمحى ببيان.
وأن هذه الكراهية التي زرعوها بيننا، لن تُقتلع بسهولة.
أنا لست سياسيًا،
لكن صوتي سيظل مرتفعًا،
كلمةً في وجه القمع،
صرخةً في وجه التهجير،
حقيقةً في وجه الطغيان.
أنا لست سياسيًا،
لكنني أعرف تمامًا معنى الانحياز:
أن لا تقف في المنتصف حين تنقسم البلاد بين الحياة والموت.
أن تختار الناس، لا البنادق.
أن تختار الكلمة، لا الرصاصة.
أن تختار الضحية، لا الجلاد.
وبس
بلا
بل
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى