في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يستطيع أي شخص إعلان نفسه خبيراً في أي مجال، برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في ممارسة النقد الفني من قبل أشخاص يفتقرون للمؤهلات والأدوات اللازمة لهذا التخصص الدقيق. ولعل أحمد دندش يمثل نموذجاً واضحاً لهذه الظاهرة، حيث تصدر مؤخراً للتعليق على الفنانين الشباب السودانيين بطريقة تكشف عن جهل واضح بأصول النقد الفني وقواعده.
فبعد النجاح الباهر الذي حققه الفنان الشاب طه سليمان في حفلته بالقاهرة، خرج علينا دندش ليصف صوت هذا الفنان الواعد بأنه “صوت عادي”، وكأنه يملك المقاييس العلمية والأدوات التقنية التي تؤهله لإصدار مثل هذا الحكم القاطع. هذا التصريح ليس مجرد خطأ في التقدير، بل يعكس مشكلة أعمق تتمثل في ممارسة النقد الفني دون امتلاك أدواته الأساسية أو دراسته بشكل متخصص.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فدندش يدعي أيضاً أن هناك أصواتاً غنائية شابة “مظلومة” لم تجد الآذان الصاغية والانتشار المطلوب، وكأنه يضع نفسه في موقع الحكم الذي يقرر من يستحق النجاح ومن لا يستحقه. هذه الادعاءات وجدت انتقادات واسعة من الجمهور الذي أدرك سطحية هذه الآراء وافتقارها للأسس العلمية.
إن النقد الفني علم له أصوله ومناهجه وأدواته، وليس مجرد إبداء رأي شخصي أو انطباع عابر كما يتصور دندش وأمثاله. الناقد الفني الحقيقي يجب أن يتمتع بمجموعة من المؤهلات والشروط الأساسية التي تؤهله لممارسة هذا التخصص الدقيق.
أولاً، يتطلب النقد الفني تأهيلاً أكاديمياً وثقافياً عميقاً، يشمل دراسة متخصصة في الموسيقى أو الفنون أو النقد الأدبي والفني، إلى جانب معرفة واسعة بتاريخ الفن والموسيقى وإلمام شامل بالمدارس والتيارات الفنية المختلفة. هذا التأهيل لا يُكتسب من خلال المتابعة العابرة أو الآراء الشخصية، بل يحتاج إلى سنوات من الدراسة المتخصصة والبحث الأكاديمي.
ثانياً، تتطلب ممارسة النقد الفني خبرة عملية طويلة تشمل سنوات من الممارسة والمتابعة المستمرة للحركة الفنية، والحضور المنتظم للعروض والفعاليات الفنية، بالإضافة إلى تجربة واسعة في الكتابة النقدية والتحليل الفني. هذه الخبرة تتيح للناقد فهماً عميقاً لتطور الفن وتياراته المختلفة، وهو ما يفتقر إليه من يمارس النقد دون خلفية مهنية.
ثالثاً، يحتاج الناقد الفني إلى أدوات منهجية متقدمة تشمل المعرفة بمناهج النقد الفني المختلفة والقدرة على التحليل الموضوعي والمنهجي، إلى جانب فهم عميق للعناصر الفنية والتقنية مثل خصائص الصوت والإيقاع والتوزيع والأداء. هذه الأدوات لا تُكتسب بالحدس أو الرأي الشخصي، بل تحتاج إلى تدريب متخصص ودراسة أكاديمية معمقة.
رابعاً، يجب أن يتحلى الناقد الفني بالموضوعية والمسؤولية، وهذا يعني الابتعاد عن الأحكام الشخصية المتحيزة واحترام الأذواق المختلفة والتنوع الفني، مع إدراك كامل لتأثير الكلمة على مسيرة الفنانين، خاصة الشباب منهم الذين يحتاجون إلى التشجيع والدعم وليس إلى أحكام قاسية غير مبررة.
إن الحكم على الأصوات الغنائية، كما فعل دندش مع طه سليمان، يتطلب معرفة تقنية متخصصة بخصائص الصوت البشري ومدياته المختلفة، وفهماً عميقاً لتقنيات الغناء وأساليب الأداء والتفسير، بالإضافة إلى إدراك السياق الثقافي والفني للعمل. وصف صوت فنان موهوب بأنه “عادي” دون تقديم تحليل تقني مدروس أو مقارنات منهجية مبررة، يعكس فقراً واضحاً في الأدوات النقدية وسطحية مفرطة في التناول.
عندما يتصدى للنقد الفني أشخاص غير مؤهلين مثل دندش، فإن ذلك يحمل مخاطر جسيمة على الحركة الفنية برمتها. فمن ناحية، يؤدي هذا النوع من النقد غير المهني إلى إحباط المواهب الشابة والتقليل من شأنها دون مبررات علمية، مما قد يؤثر سلباً على مسيرتها الفنية ويحرم المجتمع من إبداعاتها المستقبلية. ومن ناحية أخرى، يساهم في تضليل الجمهور من خلال تقديم معلومات خاطئة وأحكام غير دقيقة للمتابعين، مما يؤثر على تكوين الذائقة الفنية العامة. كما يؤدي إلى تراجع مستوى النقد بشكل عام، حيث ينتشر النقد السطحي على حساب التحليل العميق والموضوعي.
إن ما قام به دندش من انتقاد لصوت طه سليمان، وادعاءاته حول وجود أصوات “مظلومة”، يكشف عن مشكلة أساسية في فهم دور الناقد الفني ومسؤولياته. فالناقد الحقيقي لا يصدر أحكاماً قاطعة دون أدلة، ولا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة في تقييم الفن، بل يقدم تحليلاً موضوعياً مبنياً على أسس علمية ومعايير واضحة.
نحن لا نطالب بمنع أي شخص من إبداء رأيه في الفن، فالنقد حق مشروع للجميع، لكننا ندعو إلى ضرورة التواضع والاعتراف بحدود المعرفة الشخصية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتخصصات دقيقة مثل النقد الفني. كما ندعو إلى احترام هذا التخصص وأهله الذين كرسوا سنوات طويلة لدراسته وممارسته، والحرص على البناء بدلاً من الهدم، خاصة مع المواهب الشابة التي تحتاج إلى التشجيع والدعم.
إن حالة دندش تذكرنا بضرورة التمييز بين النقد المهني المبني على أسس علمية والرأي الشخصي العابر. فالفن السوداني، وخاصة جيل الشباب الواعد مثل طه سليمان، يحتاج إلى نقد بناء ومهني يساهم في تطويره ونموه، لا إلى أحكام عشوائية تصدر من أشخاص يفتقرون للأدوات اللازمة ولم يدرسوا هذا التخصص حتى.
في النهاية، إن احترام التخصص واجب أخلاقي ومهني، والمسؤولية في الكلمة أمانة عظيمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمستقبل الفنانين الشباب الذين يستحقون الدعم والتشجيع والنقد البناء، لا التقليل من شأنهم بأحكام جوفاء تفتقر إلى أي أساس علمي أو منهجي. وعلى أمثال دندش أن يدركوا أن النقد الفني علم وفن في الوقت نفسه، وليس مجرد منصة لإبداء الآراء الشخصية دون علم أو دراية.



