الأعمدة

كهنة العنف المؤدلج والفرحة ب(فشل) إجتماع الرباعية – محمد ضياء الدين

لا شك أن تأجيل إجتماع الرباعية في واشنطن، الذي عُقدت عليه الآمال ليكون ومخرجاً إنسانياً عاجلاً من الأزمة السودانية، قد كشف هذا التأجيل عن ظاهرة مَرَضية تستحق التوقف عندها، ألا وهي فرحة “كهنة العنف المؤدلج”، دعاة الحرب بهذا التأجيل الذي وصفوه ب “الفشل”. مصحوباً بفرحة مريضة إجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، فرحة لا تبالي بمعاناة الجوعي والنازحين واللاجئين.

إن هذه النفسيات المريضة التي تفرح بالحرب وتنتشي برائحة الدماء ومعاناة الضحايا، وتستمد وجودها من الفوضى، تتطلب البحث عن الدوافع الغير طبيعية التي تحتاج إلى تشريح نفسي وإجتماعي عميق لفهم هذه الدوافع المظلمة وآليات إشتغالها.

إن التحليل الأولى لهذه الظاهرة يكشف عن نفوس أدمنت الموت، وتعاني من “النرجسية السياسية” وإدمان العنف حتى تحوّل لديها القتل إلى هوية وجودية، والحرب من مجرد وسيلة إلى غاية بحد ذاتها، حيث يجد هؤلاء في الفوضى بيئة خصبة لتعويض إحساسهم المزمن بالعجز والعزلة السياسية، خاصة بعد إنتفاضة ديسمبر الثورية المجيدة التي أطاحت بحكمهم وكشفت عوراتهمم وفضحت فسادهم، لذلك يعيشون في دوامة من “الانفصام الأيديولوجي” فهم يتحدثون بإسم الدين بينما يمارسون أبشع أنواع القتل. هذه المفارقة تكشف عن “إزدواجية قِيَمية” متجذرة في البنية النفسية المعتلة لهذه الجماعة، حيث أصبح الموت والقتل وسيلتهم لتعويض عقد النقص التي تتلبسهم، ووسيلة لسد فراغهم الروحي والسياسي .

من اللافت كيف تحوّلت “ثقافة الموت” عند هذه الجماعات المأزومة إلى ما يشبه الطقس الدينى تحت رايات “الله أكبر”. بينما ينشغل الجميع بالعمل على إنقاذ الجوعى والنازحين في دارفور وجنوب كردفان، نجد “كهنة الحرب” يرفضون أي مسار سلمي ينهى الحرب ويحقق السلام والإستقرار، لأن وجودهم بات رهين بإستمرار هذه الحرب اللعينة. إنه “الاستلاب الأيديولوجي” في أبشع صورة، حيث لا يعرفون سوي لغة العنف، لذلك فقدوا القدرة على التخيل السياسي لأي حلول خارج منطق القوة الغاشمة. هذا ما يفسر تحولهم إلى “حراس حرب” يعملون على تخريب أي مبادرات سلام، لأن السلام بالنسبة لهم يعني إنكشاف زيف مشروعهم السياسي وزوال مصدر قوتهم الوحيد.

الغريب أنهم يقدمون أنفسهم كحراس للهوية السودانية، بينما هم في الواقع أكثر الفئات إبتعاداً عن القيم السودانية الأصيلة المعروفة بالتعايش والتسامح. فالسودانيون عرفوا تاريخياً بـ القدرة على تجاوز الأزمات والمصالحات المجتمعية والعفو، بينما “كهنة العنف” يعتنقون “أخلاق الذبح” التي لا ترى في الإنسان إلا جسداً يمكن تمزيقه.
إن هذه “الوحشية المُؤدلجة” ليست سوى قناع يخفي خواء فكري وعجز عن المنافسة في ساحة الفكر والسياسة المدنية. لقد أصبح حال هذه الجماعة أشبه بـ “متعاطي مخدرات العنف” الذين يحتاجون إلى جرعات متزايدة من الدمار للحفاظ على نشوتهم السلطوية الزائفة .

إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب
أكثر من الحلول الأمنية، فهي بحاجة إلى “مقاربة نفسية-إجتماعية” تفضح زيف إدعاءاتهم وتفكك بنيتهم العقلية القائمة على ثقافة الإقصاء والقمع .

إن السودان الذي أنجب علماء ومفكرين وشعراء وسياسيين ومبدعين في كل المجالات، لا يستحق أن يتحول إلى ساحة لتصفية حسابات جماعات الهوس الدينى التي تعيش في عصور الظلام والتيه. إنها معركة بين “أخلاق الحياة” التي يؤمن بها غالبية السودانيين، و”نزعات الموت” التي تمسك بها أقلية متخلفة متوحشة تتاجر بآلام الشعب.

النصر حليف أبناء السودان الذين يدركون أن المستقبل لا يُبنى على أشلاء الضحايا، بل على أسس العدل والحرية والكرامة الإنسانية.

زر الذهاب إلى الأعلى