
“

إيرِك برِنس هو مؤسس أشهر مجموعة مرتزقة “مسجلة قانونيا” في العالم (أو ما يسمى بـ”المؤسسة العسكرية التعاقدية الخاصة”)، وهي “بلاكْوُوتر” (Blackwater). هو أيضا عسكري وقائد سابق بسلاح البحرية الأمريكية (نيفي سيلز). يعرّف برنس نفسه رسميا، هذه الأيام، كـرجل أعمال، “بزنِسمان”، بينما يعتبره بعض الخبراء أخطر مرتزق في الولايات المتحدة، وهو على العموم مستفيد صريح من “بزنس” الحرب والقتل واستخدام القوة العسكرية. لم تعد شركة بلاكووتر موجودة، فقد حصلت لها إعادة تنظيم وابتلاع بواسطة مجموعة “أعمال أمنية” أوسع، لكن برنس ما زال يعمل في نفس البزنس وما زال يكسب الكثير منه.
مؤخرا – في العامين الأخيرين – صار برنس يدعو صراحة، وبدون أي اعتبار للغة دبلوماسية أو لصوابية سياسية، إلى “إعادة ارتداء قبعتنا الامبريالية” وإعادة استعمار افريقيا وأمريكا اللاتينية، بحجة أن حكومات تلك المناطق فاسدة وفاشلة وأن شعوب تلك المناطق “أثبتت أنها غير قادرة على حكم نفسها”، مع تخصيص الحديث عن افريقيا (بصورة شاملة). شدد برنس على أنه يدعو للعودة للاستعمار مجددا. وبطبيعة الحال فالمنصات الإعلامية التي تعيد تدوير ما يقوله برنس – أو التي يديرها بنفسه – ويقوم بالتصريح فيها بهذه التصريحات تعرض هذا الأمر للنقاش والتفكير باعتباره رأي شخص واحد، هو برنس. بيد أن الواضح، من الناحية العملية، أن برنس لا يتحدث من فراغ أو بدون سند سياسي يعلمه ويجعله مرتاحا في “طرح أفكاره” في الإعلام العام بهذه الطريقة، خاصة وأن أعمال “التعاقد الأمني” حاليا موجودة فعليا في مناطق في افريقيا وامريكا اللاتينية (مثل الكونغو والاكوادور)، وتقوم بأداء “أعمالها” وفق “التعاقدات” (وكثير من تلك التعاقدات عن طريق الحكومة الامريكية، وبرنس حاضر فيها). كل ما هناك أن برنس اختير بعناية لتجريب مدى استقبال “الفكرة” لدى الرأي العام، خاصة الرأي في الشمال العالمي؛ ومع ذلك الاستقبال يحصل نوعٌ من التطبيع الإعلامي التدريجي مع تصريح كان قبل قليل يُعتَبر كارثيا ولا يمكن أن تصرّح به أي جهة علنا، فلا يلبث أن يصبح ضمن قائمة “وجهات النظر” المدوّرة في الساحة. ولا غرو، فمثلما عادت العنصرية لتصبح “وجهة نظر” في الساحة العامة في الشمال العالمي، ومثلما صارت الإبادة الجماعية خيارا يمكن نقاشه في المنصات العامة، كذلك يمكن أن يصبح الاستعمار “أحد الحلول السياسية” المعروضة للنقاش العام المفتوح.
في الطبعة الأولى من كتاب “سعاة افريقيا” (2020)، في خاتمة الكتاب، قلنا ان الاستعمار سيرجع مرة أخرى لأفريقيا اذا استمرت الاوضاع على وتيرتها الحالية، أي اذا لم ننتبه ونكثف من جهدنا في التنمية والتحرر. ذكرنا أن الاستعمار سيرجع بمظاهر ومقدمات جديدة، بطبيعة الحال، لكنه استعمار في النهاية. ولا نقصد هنا “الاستعمار الجديد (النيوكولونيالية)”، إنما نقصد الاستعمار المباشر، المجرّب سابقا. جاء في خلاصة الكتاب نصا: “….كما وضّحنا في ثنايا هذا الكتاب، لا نستبعد أن يعود الاستعمار المباشر من جديد للقارة إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه. وإذا عاد حينها فستكون له مبرراته المبذولة مع عصرها، وأحدها قد يكون أن الأفارقة أثبتوا فشلهم في حكم أنفسهم بأنفسهم وبذلك يجوز استعمارهم من جديد لإلحاقهم بركب الحداثة الذي شمل العالم، أو ربما لا يحتاج الاستعمار أن يبرر نفسه كثيرا بغير منطق القوة الصرف.”
بالنظر إلى ما يجري في عالمنا اليوم، وعودة أشكال الامبريالية السافرة (بعد عقود من الممارسات المتسترة) في فنزويلا وغيرها، ينبغي أن نتذكر جيدا أن افريقيا قريبة جدا في القائمة…. لا نتحدث عن قائمة الامبريالية المعتادة الممارسة في افريقيا اليوم، وإنما عن الامبريالية السافرة.
بينما كانت أسباب أمريكا في غزو فنزويلا (وربما قريبا قرينلاند) تتعلق بالمصدرين: الطاقة (بترول فنزويلا) والمعادل النادرة (في قرينلاند)، وبينما لا تخلو افريقيا من المصدرين انفسهما وتجعل الطمع فيها واضحا، إلا أن هنالك أزمات عالمية أخرى غير الطاقة والمعادن. هنالك أزمات غذاء (تتعلق بالتوسع في الاراضي الزراعية) وازمات مياه (تحديدا المياه العذبة)، وافريقيا تملك من الاثنين فائضا (بالإضافة للبحيرات العظمى الافريقية كمصادر للمياه العذبة). يضاف لذلك أن افريقيا حتى الان لديها ثلث المعادن المهمة للصناعات في العالم (والتي يتم استغلالها حاليا بواسطة القوى الخارجية فعلا، لكن تتزايد الاطماع في السيطرة المباشرة على تلك المصادر). اضافة لموضوع الزيادة السكانية النادرة، إذ أن تعداد سكان أفريقيا يشهد نموًا سريعًا، وتشير التوقعات العالمية إلى أنهم سيشكلون ما يقارب 25% إلى 26% من سكان العالم بحلول عام 2050، وأكثر من ذلك بحلول عام 2100. وبناءً على ذلك، من المتوقع أن تستحوذ أفريقيا على 85% من الزيادة في عدد السكان في سن العمل (15-64 عامًا) بحلول عام 2050، وفق تقديرات الأمم المتحدة في 2022 لتشكيلة سكان العالم مستقبلا، في حين تواجه معظم الأقاليم الصناعية حول العالم انخفاضًا وشيخوخة في عدد السكان. هذه التوجهات تُهيئ أفريقيا لتحولات اقتصادية هامة، كما ترفع من حجم وخطورة الأطماع الخارجية فيها حاليا، خصوصا مع دخولنا في فترة السعار والفاشية وسقوط أقنعة النظام العالمي الدبلوماسية مؤخرا ليعود منطق القوة الصراح بقوة عين.
فأفريقيا في الراجح ستكون ميدان صراع أكبر في المستقبل القريب؛ أكبر حتى من الشرق الاوسط، وأكثر مباشرة. وما يحفز هذا الأمر أكثر ان افريقيا حتى الان ضعيفة جدا أمام الاطماع الخارجية، فقياداتنا السياسية ضعيفة وخانعة، وقوانا الدفاعية ليست أفضل حالا، وأصحاب التعليم العالي من أهل القارة أغلبهم مغيّبو الوعي النقدي أو متصالحون (عديل) مع دور الكمبرادور أو أسوأ؛ ثم إن قوانا الإنتاجية والمجتمعية في القارة إجمالا متشرذمة تنظيميا ومتأخرة في القدرات والأطر الفكرية. في مساعينا وكتاباتنا، عبر سنوات، وبمعية آخرين، دفعنا بأن إرث الحركة الافروعمومية يمكنه توفير إطار فكري يملأ العجز في هذه الثغرة المهمة – ثغرة الأطر الفكرية لرفد العمل الجماعي المنظم على مستوى القارة لحماية ورفد مصالح شعوبها – لو تمدد ذلك الإرث في القارة تمددا حقيقيا، من جديد. وذلك جزء من الحل، لكن حتى ذلك لن يكفي. المطلوب منا كبير جدا، وقبل فوات الأوان—وهو يقترب.



