
بقلم/ إيهاب الأمين
في حيّ الدروشاب حيث يفترض أن تتعلّم الأشجار أن تظلّل لا أن تصلب عليها الأجساد رُبط صبي صغير إلى جذع وكأن الجذع صار منبراً لخطبة أخيرة لم يُلقها هو بل ألقاها عنه حبل غليظ وأيد لا تعرف من الدين إلا اسمه.
أحمد وقيع الله الماحي اسم طويل كأنما حمل في حروفه كل وعود الله ثم جاء من قرر أن الله نفسه يريده صامتاً.
لم يكن في يده سيف
لم يكن في جيبه قنبلة
كان في يده مفكرة صغيرة
فيها أسئلة
أسئلة من ذلك النوع الذي يسأله كل من فتح عينيه يوماً على سماء واسعة وقال لماذا؟ كيف؟ ماذا لو؟
أسئلة صبي يتأمل. يتساءل.. يتخبط في متاهة العقل التي خُلق فيها الإنسان حراً.
لكن طفلاً آخر — طفلًا مثله.. كان يمكن أن يكون صديقه — حمل تلك المفكرة لا إلى معلم.. لا إلى أب.. لا إلى مكتبة.. بل حملها إلى إمامِ مسجد، والإمام ذاك الذي كان يُفترض أن يكون أرحم الناس بالسؤال قرأَ التأملات فلم ير فيها صبياً يبحث، بل رأى في خياله المريض إلحادًا. رأى في حيرة مراهق جريمة تستحق الحبل والشجرة والدم.
من قتل أحمد حقًّا؟
لم يقتله الطفلُ الذي حمل المفكرة، ذلك الطفل ضحية أيضًا ضحية تعليم جعل السؤال خطيئة، وجعل الشكَ كفرًا، وجعل المفكر عدواً.
لم يقتله الإمام وحده، وإن كان هو من أفتى بدمه في سره..
قتله نظام كامل.. نظام تربى فيه الناس على أن الدين ملكيّة خاصة لطبقة من الناس، وأن من يسأل يعاقب وأن من يختلف يقتل.. نظام جعل من حد الردة سيفًا مُصلَتًا لا على الملاحدة فحسب بل على كل من يجرؤ أن يقول دعوني أفكر..
قتلته سنوات من حكم الإسلامويين الذين لم يروا في الإسلام رسالة رحمة وحرية بل رأوا فيه أداة حكم، جعلوا من القرآن دستور قمع، ومن السنة لائحة عقوبات ومن المنبر محكمة تفتيش. باعوا الدين في سوق السياسة واشتروا به كراسي من دم.
السودان الذي نعرفه والسودان الذي يريدونه
السودانُ الذي كان يمكن أن يكون وطن الأسئلة والقصائد والجدل الجميل صار تحت حكم من يتاجرون بالإسلام سجنًا كبيرًا.. سجن جدرانه من فتاوى وسجانوه من معممين ملتحين لا يعرفون من الدين إلا حدود الدم ومفاتيحه في أيدي جنرالات يلبسون البزة تارة والعمامة تارات، حسب ما تقتضيه فصل المسرحية.
أحمد لم يُقتل لأنه ملحد أو مؤمن.. أحمد قتل لأنه سأل. وفي دولة الإسلامويين السؤالُ هو الجريمة الأولى، ليس الإلحاد هو الخطر بل العقل الذي يعمل، ليس الكفر هو العدو بل الحرية التي تُربك من بنى عرشه على الخوف.
أخشى على سودان يُربط فيه أبناؤه إلى الأشجار أخشى على جيل يرى في المفكرة دليل إدانة وفي التأمل تهمة وجريمة وفي السؤال حكم إعدام.
أخشى على أطفال يكبرون وهم يتعلمون أن الصمت عبادة
وأن التفكير ذنب وأن من يختلف مع الإمام يسلم للشارع.
أخشى على سودان يقتل فيه صبي في عمر الوردة ثم يقال هذا حد الله.
لا والله هذا حدّ الطغيان هذا حدّ الجبن هذا حد من يخاف من سؤال طفل في مفكرة صغيرة.
فــيا أحمد
لم أكن أعرفك لكني أعرف دفاتر الصبيان أعرف تلك الأسئلة المكتوبة بخط مرتبك في هامش الدفتر أعرف ذلك الشعور حين تنظر إلى السماء ليلاً وتقول أنا هنا وأنا أسأل
لم تكن ملحدًا بل كنت إنسانًا وهذا كان كافيًا ليقتلوك.
نام جسدك على جذع شجرة في الدروشاب لكنّ أسئلتك لن تموت ستكبر، ستصير جيلًا ستصير ثورة ستصير سودانًا آخر.. سودانًا لا يربط فيه أحد إلى شجرة لأنه فكر.
نم يا صغيري
المفكرة في أمان الآن، لن يأخذها أحد من يدك.
وإنّا لله وإنّا إلى صمتنا راجعون
لا.. ليس إلى صمتنا
إلى أسئلتنا



