




* روما، رضوان علي الحسن
تتلألأ المدرجات العالمية بجمال مشجعات كرة القدم، فخراتٌ يعبرن بحماس عن ولائهن لألوان فرقهن، حتى غدت مسابقات “أجمل مشجعة في المونديال” أو البطولات الكبرى بوابة لبعضهن نحو عوالم الأضواء والموضة. لكن هذا الجمال الرياضي لم يبقَ حبيس المدرجات، بل تسلل بقوة إلى قلب غرف التحرير واستوديوهات البث، ليطرح أسئلة محيرة حول تقاطع الجاذبية مع أخلاقيات المهنة في الصحافة الرياضية.
في خضم المعركة الضارية على السبق الإعلامي والتصريحات الحصرية، وجدت بعض القنوات الرياضية العالمية، خاصة المتخصصة، سلاحاً جديداً: المذيعات والمراسلات اللواتي يجمعن بين الفطنة الإعلامية وجمال لافت. الهدف؟ اختراق الحواجز التي يقيمها اللاعبون النجمات حول أنفسهم. فاللاعب الدولي، المرهق من أسئلة الصحفيين التقليديين والمحاصر بالكاميرات، قد يجد في حضور مذيعة ذات حضور جذاب ورونق خاص، حافزاً غير معتاد للحديث بانفتاح أكبر، بل والتنافس أحياناً على منحها المقابلة المرغوبة. هنا يتحول الجمال من مجرد صفة إلى أداة تواصل فعّالة، وإن أثارت جدلاً واسعاً.
تطور الأمر لدى بعض المحطات التلفزيونية الكبرى، وحتى بعض الصحف العالمية، إلى حد استبدال مراسليها الرياضيين الذكور التقليديين، بوجوه نسائية مبهرة، وكأن معايير التوظيح تحولت من الخبرة والحنكة الصحفية واتساع المعرفة باللعبة ونخوتها، إلى مقاييس الجمال والأناقة التي تذكر بمسابقات عروض الأزياء. هذا التحول لم يمر دون انتقادات لاذعة. فهل أصبحت القدرة على جذب انتباه اللاعب عبر الجاذبية الشخصية معياراً يفوق أهمية عمق الأسئلة، وفهم تعقيدات التكتيك، أو القدرة على تحليل الأداء؟ ألا يهدد هذا المنحى مصداقية التغطية الإعلامية ويختزل دور الصحفي الرياضي إلى مجرد وسيط يعتمد على سحره الشخصي بدلاً من مهنيته؟
الصور التي تنتشر لمذيعات ساحرات الجمال بجانب أكبر نجوم الكرة، مبتسماتٍ وقد حصلن على المقابلة الحصرية المرجوة، تعكس نجاح هذه الاستراتيجية على مستوى الوصول. لكنها تترك وراءها علامات استفهام كبيرة: أين الخط الفاصل بين استخدام الشخصية الكاريزمية والجاذبية كجزء طبيعي من أدوات الإعلامي الناجح، وبين تحويل الموقف إلى شكل من أشكال “الإغراء” المهني؟ وهل خدمة الرياضة ومتابعيها تتحقق حقاً عندما يصبح جمال المذيعة محور الحديث، بدلاً من عمق المحتوى الرياضي المقدم؟
لا شك أن الحضور الجذاب والثقة بالنفس عنصران إيجابيان في أي إعلامي. لكن قلب المعادلة لجعل الجمال البدني هو المفتاح الرئيسي، وربما الوحيد، للوصول إلى اللاعبين في عالم يتغنى بالمهارة والنتائج والتكتيك، يمس جوهر المهنة. الصحافة الرياضية الجادة تحتاج إلى عقول تحلل وقلوب تحب اللعبة وألسنة تسأل بجرأة وعمق، أكثر مما تحتاج إلى وجوه تخطف الأنظار على حساب المضمون. فالجمال قد يفتح الأبواب، لكن المعرفة والاحترافية والمهنية هي وحدها التي تضمن بقاء تلك الأبواب مفتوحة على عالم كرة القدم الحقيقي، بعيداً عن وهج الأضواء الزائفة.



