الأعمدة

حلقة البركة: تقليد عماني أصيل يجمع الأسرة حول مائدة الشكر”

كتب: معاوية أبوالريش
كانت دعوة عادية لتناول الإفطار في منزل صديق عماني بضاحية الأنصب في مسقط، لكنها تحولت إلى لحظة كشف مذهلة عن جمال لم أكن أتوقعه. دخلت البيت لأجد سفرة حديثة وعصرية معدة بعناية، لكن ما أذهلني حقاً هو اختيار أفراد الأسرة الجلوس على الأرض متحلقين حول رب العائلة بدلاً من استخدام تلك السفرة الأنيقة. وعندما انتهينا من الطعام وظننت أن الوجبة قد انقضت، بدأ رب الأسرة في الدعاء وشكر الله على نعمه، ورفع بقية أفراد العائلة أكفهم بالدعاء والحمد في مشهد خاشع لا يُنسى. في تلك اللحظة أدركت أنني أشهد أكثر من مجرد وجبة، بل طقساً روحانياً عميقاً يحول الطعام من مجرد إشباع للجوع إلى عبادة وشكر وتواصل إنساني صادق.
يحرص العمانيون على ممارسة عادة روحانية رائعة تتمثل في اختيار الجلوس على الأرض متحلقين حول رب الأسرة لتناول طعامهم معاً، حتى لو كانت هناك سفرة حديثة وعصرية متاحة. هذا الاختيار الواعي للبساطة والتقليد يعكس تمسكهم بقيمهم الأصيلة رغم توفر البدائل العصرية. وما يميز هذا التقليد حقاً هو تلك اللحظات المقدسة التي تأتي بعد انتهائهم من الطعام مباشرة، وقبل قيامهم لغسل أيديهم، حيث يبدأ رب الأسرة في الدعاء وشكر الله تعالى على نعمه، ويرفع بقية أفراد العائلة أكفهم للسماء في دعاء جماعي خاشع، مما يخلق مشهداً مؤثراً يجمع بين البساطة والعمق، بين التواضع والامتنان.
هذا الطقس ليس مجرد عادة اجتماعية، بل تعبير صادق عن إيمان راسخ وثقافة متجذرة تقدر النعم وتعترف بفضل الله في كل لقمة. إنه درس يومي في الامتنان يتعلمه الأطفال من خلال المشاركة والمشاهدة، فينشؤون على حب الخير وتقدير البركات. والجلوس معاً على الأرض في دائرة واحدة يكسر جميع الحواجز ويساوي بين جميع الأفراد، صغاراً وكباراً، في لحظة تواضع جميلة أمام خالق الكون.
إن هذه الممارسة تعزز من قيم التماسك الأسري بطريقة فريدة، حيث يجتمع أفراد العائلة في تجربة مشتركة تبدأ بتناول الطعام معاً وتنتهي بلحظة صافية خالية من مشتتات العصر الحديث، يتبادلون فيها المشاعر الصادقة والدعوات الطيبة قبل انصرافهم لإكمال طقوس النظافة. إنها فرصة يومية لتقوية الروابط وتعميق المحبة بين أفراد الأسرة، وفي الوقت نفسه تحمل في طياتها دروساً تربوية عميقة لا تقدر بثمن.
عندما يشارك الأطفال في هذا الطقس اليومي، فإنهم يكتسبون قيماً أساسية متعددة: يتعلمون الامتنان والشكر من خلال إدراك قيمة النعم وأهمية شكر الله عليها، مما ينمي في نفوسهم روح التقدير والرضا. كما يكتسبون التواضع والبساطة، فالجلوس على الأرض يذكر بأن الإنسان مهما علا شأنه يبقى عبداً لله. وتنمو في قلوبهم قيم الوحدة الأسرية من خلال المشاركة الجماعية في الدعاء التي تعزز الشعور بالانتماء والترابط، بالإضافة إلى تعلم الروحانية العملية من خلال دمج العبادة في الحياة اليومية بطريقة طبيعية وتلقائية.
في عالم يتسارع نحو الحداثة والتقنية، يحافظ العمانيون على هذه العادة الجميلة بإصرار محمود، إذ يدركون أن هذه الممارسات البسيطة هي ما يحفظ هويتهم ويميز مجتمعهم. فرغم انتشار موائد الطعام العصرية والكراسي المريحة، لا يزال كثير من الأسر العمانية تفضل الجلوس على الأرض والاجتماع في دائرة الشكر والحمد، مما يقدم مثالاً رائعاً على كيف يمكن للتقاليد الأصيلة أن تتعايش مع الحداثة دون أن تفقد جوهرها أو تأثيرها الإيجابي.
هذه العادة العمانية تذكرنا بأن الأصالة لا تعني الجمود، بل تعني الحفاظ على القيم النبيلة التي تثري الحياة وتضفي عليها معنى أعمق. في زمن تنتشر فيه ثقافة الأكل السريع والوجبات الفردية، يقدم العمانيون نموذجاً مختلفاً يجعل من تناول الطعام فرصة للتواصل الروحي والاجتماعي، حيث يحولون المائدة إلى مدرسة للقيم، وتناول الطعام إلى عبادة صادقة تجسد أسمى معاني الإنسانية من امتنان وتواضع ووحدة وروحانية.
إن إعجابي بهذه العادة العمانية الرائعة نابع من تلك التجربة الشخصية التي عشتها في منزل صديقي بضاحية الأنصب، ومن إدراك عميق لحكمتها وأثرها الإيجابي على المجتمع. فقد رأيت بعيني كيف يمكن لممارسة بسيطة أن تحول وجبة إفطار عادية إلى تجربة روحانية لا تُنسى، حيث تقدم في عالم يبحث عن السعادة في الماديات وصفة بسيطة وعميقة للسعادة الحقيقية تتمثل في الاجتماع مع الأحباب، وتناول الطعام بشكر وامتنان، والدعاء بقلب صادق. إنها حلقة بركة تستحق منا جميعاً التقدير والاحترام، بل والاقتداء بها في حياتنا اليومية، فلعل في هذه العادة الجميلة إلهاماً لنا جميعاً لنعيد النظر في علاقتنا بالطعام ومعنى الاجتماع العائلي، ولنجعل من كل وجبة فرصة للشكر والحمد والتواصل الصادق مع أحبائنا.

زر الذهاب إلى الأعلى