بقلم: المستشار معاوية أبوالريش
في مشهد لا يخلو من الطرافة المأساوية، ظهر المدعو “الدكتور” توفيق عكاشة على شاشة سكاي نيوز عربية يطالب بإعادة “حدود مصر الطبيعية” كما كانت قبل عام 1954، مدعياً أن السودان وغزة وشرق ليبيا قد “انتزعت” من مصر وأُعطيت لدول أخرى. وكأن التاريخ مجرد كعكة يمكن تقسيمها حسب أهواء من يملك شهادة مزورة ومايكروفوناً.
ولكن قبل أن نخوض في تفنيد هذه الترهات التاريخية، دعونا نتعرف على صاحب هذه “النظريات” الجغرافية المبتكرة. توفيق عكاشة، الذي يصر على لقب “دكتور” رغم أن القضاء المصري قد حكم عليه بالحبس سنة كاملة لتزوير شهادة الدكتوراه، العكش أو كما يحلو للمصريين مناداته ( توفيق دكر البط ) ليس مجرد شخصية إعلامية مثيرة للجدل، بل أصبح رمزاً للانتهازية والتضليل في الإعلام العربي. تثبت الوثائق المصرية والتحقيقات القضائية أن عكاشة زور شهادة دكتوراه منسوبة لجامعة أمريكية غير موجودة تدعى “lakewood bradenton international university”، حيث أكد المجلس الأعلى للجامعات المصري عدم وجود جامعة بهذا الاسم في الولايات المتحدة أو أي مكان آخر. وقد قضت محكمة جنح مدينة نصر بحبس عكاشة سنة وكفالة 5 آلاف جنيه بتهمة تزوير شهادة الدكتوراه، رغم أن محكمة النقض أصدرت لاحقاً حكماً بالبراءة، لكن التحقيقات كشفت أن الرجل حاصل في الأصل على مؤهل فوق متوسط بتقدير مقبول من المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بجامعة كفر الشيخ، مما يؤكد مدى الفجوة بين مؤهلاته الحقيقية والألقاب التي يدعيها.
والآن، نأتي إلى جوهر الموضوع: ادعاءات عكاشة حول “الحدود المصرية الطبيعية” التي تبدو وكأنها مستوحاة من لعبة فيديو للإستراتيجية أكثر من الواقع التاريخي. فبخصوص السودان، يزعم عكاشة أن هذا البلد “انتُزع” من مصر، متجاهلاً تماماً أن السودان انفصل عن مصر في الأول من يناير 1956 بقرار من البرلمان السوداني نفسه، وليس عبر استفتاء كما كان متفقاً عليه في اتفاقية الحكم الذاتي. هذا الانفصال جاء بعد اتفاقية 21 فبراير 1953 التي وقعتها الحكومتان المصرية والبريطانية لمنح السودان حق تقرير المصير في خلال ثلاث سنوات كفترة انتقالية. ما لا يذكره عكاشة هو أن الرئيس جمال عبد الناصر نفسه سافر إلى الخرطوم ليعلن عن استقلال الشعب السوداني أمام البرلمان، وأن محمد نجيب وحد الصف السوداني في مؤتمر للأحزاب السودانية عقد بالقاهرة. كان هذا قراراً سيادياً مصرياً، وليس “انتزاعاً” من قوى خارجية كما يدعي صاحب الشهادة المزورة. بل إن التحقيقات التاريخية تكشف أن إثيوبيا وبريطانيا لعبتا دوراً في الضغط على السودانيين للانفصال عن مصر، وهو ما يتناقض مع رواية عكاشة المبسطة التي تتجاهل التعقيدات الإقليمية والدولية.
أما بخصوص غزة، فإن ادعاءات عكاشة تتجاهل التاريخ المعاصر تماماً. تم تحديد الحدود الشمالية والشرقية لقطاع غزة عند توقف القتال في حرب 1948، وهو ما أكدته اتفاقية الهدنة بين إسرائيل ومصر في 24 فبراير 1949. ظلت الحدود الدولية على طول الحدود الجنوبية مع مصر هي نفسها التي أنشأت في البداية عام 1906 بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية البريطانية. بعد حرب 1948، خضع قطاع غزة للسيطرة المصرية، حيث بقي تحت الحكم المصري حتى حرب 1967، لكن هذا لا يعني أن غزة كانت جزءاً من “مصر الطبيعية”، بل كانت منطقة تحت الإدارة المصرية نتيجة لظروف الحرب والنكبة. وحتى عندما كانت غزة تحت الإدارة المصرية، احتفظت بهويتها الفلسطينية وكانت تدار رسمياً من قبل حكومة عموم فلسطين التي أنشأتها جامعة الدول العربية في سبتمبر 1948.
بالنسبة لادعاء عكاشة حول شرق ليبيا، فهو يتجاهل أن اتفاقية 1925 بين مصر وبريطانيا وإيطاليا تم فيها تنازل الجانب المصري عن حقه في واحة الجغبوب واعتبارها جزءاً من الأراضي الليبية. هذه الاتفاقية كانت نتيجة للتطورات السياسية والاحتلال الإيطالي لليبيا، وليس “انتزاعاً” تعسفياً كما يصوره عكاشة. والحقيقة أن برقة وبني غازي في العصور القديمة كانت امتداداً طبيعياً مصرياً، لكن بعد الاحتلال الإيطالي لليبيا بدأت تظهر خلافات حدودية مصرية ليبية، وتم احترام الاتفاق حتى اليوم.
ما يثير الدهشة في تصريحات عكاشة هو غياب أي مصدر تاريخي موثق أو خريطة أو وثيقة تدعم ادعاءاته. لم يحدد من الذي “انتزع” هذه الأراضي المزعومة، ولم يقدم تاريخاً محدداً لهذا “الانتزاع”، ولم يشر إلى أي معاهدة أو اتفاقية دولية تؤكد مزاعمه. إنه ببساطة يطلق ادعاءات في الهواء ويتوقع من المشاهدين تصديقها لمجرد أنه يحمل لقب “دكتور” مزور. الأكثر فضيحة أن عكاشة يتحدث عن حدود عام 1954 بينما المصادر التاريخية تؤكد أن الحدود المصرية تطورت عبر فترات متباينة وليس في سنة واحدة، فاتفاقية 1899 بين مصر وبريطانيا حددت الوضع في السودان، واتفاقية 1925 تناولت الحدود مع ليبيا، أما حدود غزة فتحددت في 1949.
والأدهى من كل هذا أن عكاشة، الذي يحمل تاريخاً حافلاً بالجدل والفضائح، لم يكتف بتزوير شهادة الدكتوراه، بل سبق أن حُكم عليه بالسجن 6 أشهر عام 2012 لقذفه والدة خالد سعيد، وواجه اتهامات بالتطبيع مع إسرائيل مما أدى لإسقاط عضويته من البرلمان عام 2016. هذا السجل “المشرف” يجعل من المستحيل أخذ أي من تصريحاته التاريخية أو السياسية على محمل الجد.
الحقيقة أن الحدود المصرية الحالية تحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط، ومن الغرب ليبيا، ومن الجنوب السودان، ومن الشرق البحر الأحمر ومن الشمال الشرقي قطاع غزة وإسرائيل. هذه الحدود نتجت عن تطورات تاريخية معقدة وتفاعلات سياسية متشابكة على مدى قرون، وليس عن مؤامرة لـ”انتزاع” أراضي مصرية. عكاشة يتجاهل أن المملكة المصرية كانت شديدة التعقيد بسبب انفصالها الفعلي عن الإمبراطورية العثمانية منذ عام 1805، واحتلالها من قبل بريطانيا عام 1882، وأن التوسعات التي حدثت في عهد محمد علي ونجله إبراهيم كانت نتيجة لطموحات إمبراطورية وليس “حدوداً طبيعية” لمصر. حتى في العصر الفرعوني، تغيرت حدود مصر عبر العصور، فالخط الأحمر يوضح حدود مصر في عهد الملك تحتمس والخط الأخضر في عهد رمسيس الثاني، مما يؤكد أن الحدود كانت متغيرة وليست ثابتة كما يزعم عكاشة.
إن ما يطرحه عكاشة ليس مجرد جهل بالتاريخ، بل محاولة مكشوفة للتلاعب بالعواطف القومية لتحقيق مكاسب إعلامية رخيصة. فالرجل الذي زور شهادة الدكتوراه لا يتورع عن تزوير التاريخ أيضاً، وقد سبق أن اشتهر بتصريحات مثيرة للجدل حول “عدد أعواد الجرجير في الحزمة الواحدة وتزغيط البط”، مما يكشف عن مستوى ثقافي متواضع لا يؤهله للحديث في قضايا التاريخ والجغرافيا السياسية.
في عصر المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة، يأتي توفيق عكاشة ليذكرنا بأن بعض الناس لا يكتفون بتزوير الشهادات، بل يمضون قدماً لتزوير التاريخ نفسه. مطالبته بـ”إعادة الحدود الطبيعية” لمصر تذكرنا بأن الجهل المقترن بالثقة المفرطة قد يكون أخطر من الجهل وحده. إن مصر العظيمة لا تحتاج إلى هذه الترهات التاريخية لتأكيد عظمتها، ولا تحتاج إلى أحلام الأمجاد المزيفة التي يروجها حاملو الشهادات المزورة. مصر تستحق إعلاماً أكثر مسؤولية ومثقفين أكثر صدقاً من هذا الذي يحاول إعادة رسم خريطة العالم من استوديو تلفزيوني.



