الأعمدة

” التجربة السودانية كمرآة: لماذا يجب إعادة النظر في التصنيف القانوني لجماعة الإخوان المسلمين؟”

بقلم: المستشار معاوية أبوالريش
عندما نتأمل التاريخ المعاصر للمنطقة العربية، نجد أن هناك تجارب سياسية معينة تقدم لنا دروساً قاسية حول طبيعة بعض التنظيمات وحقيقة مشاريعها السياسية. والتجربة السودانية مع جماعة الإخوان المسلمين تمثل إحدى أهم هذه التجارب التي تستحق الدراسة والتحليل، ليس فقط لفهم ما جرى في السودان، بل لاستخلاص العبر حول طبيعة هذا التنظيم وآليات عمله عندما يصل إلى السلطة.
إن البنية الأيديولوجية لجماعة الإخوان المسلمين، كما وضعها مؤسسوها من حسن البنا إلى سيد قطب، وكما طورها منظرون مثل أبو الأعلى المودودي، تقوم في جوهرها على رفض مفهوم الدولة الوطنية الحديثة والنظام الديمقراطي. فالمودودي وصف الديمقراطية صراحة بأنها “جاهلية” ودعا إلى إقامة نظام حكم إسلامي يقيم الحدود ويجاهد لإزالة ما سماه “الطاغوت” هذه الأسس النظرية ليست مجرد أطروحات فكرية مجردة، بل هي منهج عمل تترجم على أرض الواقع عندما تتاح الفرصة لهذا التنظيم للوصول إلى السلطة.
التجربة السودانية تقدم أوضح مثال على هذا التحول من النظرية إلى الممارسة، ففي عام 1989، وصلت جماعة الإخوان المسلمين في السودان إلى السلطة عبر انقلاب عسكري قاده عمر البشير، وسُمي زوراً “ثورة الإنقاذ الوطني” وقد بدأ هذا العهد بكذبة كبيرة روجها كل من الترابي والبشير، حين أدعى البشير أن الضباط الذين نفذوا الانقلاب هم “ضباط أحرار” لا علاقة لهم بأي تنظيم سياسي، بينما كانوا في الحقيقة يمثلون الواجهة العسكرية لمشروع الجماعة السياسي. ولاحقاً، تدثرت الجماعة خلف اسم “حزب المؤتمر الوطني” كواجهة سياسية لإخفاء هويتها الحقيقية وتضليل الرأي العام المحلي والدولي، مستخدمة هذا القناع لتنفيذ أجندتها دون الكشف عن طبيعتها التنظيمية الفعلية.
ما إن استتبت الأمور للجماعة حتى بدأت في تطبيق منهجها الحقيقي، وهو منهج يقوم على العنف المنظم والقمع الممنهج لكل من يعارض رؤيتها ، لم تكن هذه ممارسات عشوائية أو ردود فعل، بل كانت سياسة مدروسة ومنهجية. فقد أشرف نافع علي نافع بنفسه على تعذيب أستاذه السابق في جامعة الخرطوم، الدكتور علي فضل، حتى الموت، وتم إنشاء شبكة من “بيوت الأشباح” التي استُخدمت لتعذيب المعارضين السياسيين وإذاقتهم أشد ألوان العذاب. كما أُعدم شاب سوداني بريء رمياً بالرصاص بتهمة المتاجرة في العملة، وهي تهمة لا تستوجب الإعدام حتى لو ثبتت، والمفارقة المؤلمة أن قيادات النظام اعترفت لاحقاً بأنها كانت تتاجر بالعملة.
لكن العنف لم يقتصر على المعارضين السياسيين، بل امتد ليشمل مناطق بأكملها من السودان. فقد أعلنت الجماعة الحرب على الجنوبيين تحت شعار أنها “حرب بين الإسلام والكفر”، وأعلنت الجهاد ضدهم، وجندت شباب السودان تحت ذريعة “الخدمة الإلزامية” ودفعت بهم إلى أدغال الجنوب للموت. ثم في النهاية، عادت ووافقت على فصل جنوب السودان بعد أن منحته حق تقرير المصير، مما يطرح تساؤلات جدية حول مصداقية شعاراتها وحقيقة أهدافها.
أما في دارفور وجبال النوبة، فقد ارتكبت الجماعة مجازر ومذابح ضد أبناء الوطن، مستعينة بعصابات الجنجويد التي شرعنت وجودها وسنت لها قانوناً أجازه برلمان الحركة الإسلامية. هذه العصابات لم تكن تعمل بمعزل عن الدولة، بل كانت أداة من أدوات تنفيذ السياسات القمعية للنظام، وكل الجرائم التي ارتكبتها كانت ضمن المشروع السياسي للحركة الإسلامية.
لم تقتصر أنشطة الجماعة على الساحة المحلية، بل امتدت لتشمل الإرهاب الدولي. فقد حاولت اغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك في إثيوبيا، وتورطت في الهجوم على سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في نيروبي ودار السلام، وفي حادثة الاعتداء على المدمرة الأمريكية. كما استضافت أسامة بن لادن وكل قيادات الجماعات الإرهابية والمتطرفة، ومنحتهم الجنسية السودانية، ودعمت الجماعات الإرهابية في مختلف أنحاء العالم.
طوال ثلاثة عقود من الحكم، شكلت الجماعة شبكات وأذرعاً مالية وعسكرية معقدة، واستخدمت الإرهاب السياسي كأداة أساسية للحكم. هذا النمط من الممارسة ليس استثناءً أو انحرافاً عن مسار الجماعة، بل هو التطبيق الطبيعي لأيديولوجيتها ومنهجها في العمل السياسي.
وتجدر الإشارة إلى أن الجماعة تتبع استراتيجية “الأسلمة التدريجية من الأسفل إلى الأعلى” كما وضعها مؤسسها حسن البنا، وهي استراتيجية تهدف إلى تغيير المجتمع تدريجياً من خلال السيطرة على المؤسسات التعليمية والاجتماعية والدينية، وصولاً إلى تكوين مجتمع إسلامي خالص وكيان سياسي وفقاً لتصورهم. هذه الاستراتيجية ليست مقتصرة على الدول العربية، بل تمارسها فروع الجماعة في الغرب أيضاً، حيث تعمل على إنشاء “نظم بيئية محلية” للسيطرة على المجتمعات المسلمة وتوجيهها وفق أجندتها السياسية. وما يجعل هذا التنظيم أكثر خطورة هو براعته في التخفي والتمويه، حيث يعمل أحياناً تحت أسماء وواجهات مختلفة لتضليل الرأي العام، كما فعل في السودان حين تدثر خلف اسم “حزب المؤتمر الوطني” المحلول، وكما يفعل في دول أخرى حين يعمل من خلال أحزاب ومنظمات ذات أسماء براقة تخفي حقيقة انتمائها للتنظيم الأم.
إن هذه الممارسات تبرهن على أن ولاء أعضاء هذا التنظيم ليس للوطن أو للمواطنين، بل للتنظيم نفسه ولمشروعه الأيديولوجي. وشعاراتهم التي ترفع مثل “أو تُراق منا الدماء أو تُراق منهم دماء أو تُراق كل الدماء” تعكس بوضوح هذا المنطق الذي لا يعرف التفاوض أو التسوية، بل يقوم على منطق الصراع الوجودي.
ومما يؤكد خطورة هذا التنظيم أن الولايات المتحدة الأمريكية قد صنفت بالفعل عدة فروع للإخوان المسلمين كتنظيمات إرهابية، بما في ذلك حماس وحركتا “حسم” و”لواء الثورة” المنبثقتان عن الإخوان المصريين. كما أن مؤسسة الأرض المقدسة، التي كانت تمثل الذراع الرئيسي لجمع التبرعات لحماس في الولايات المتحدة والتي أنشأها الإخوان المسلمون، قد أُدينت في عام 2008 بتهمة تقديم الدعم المادي لحماس. وفي عام 2025، أعاد عضوا الكونغرس الأمريكي ماريو دياز-بالارت وجاريد موسكوفيتز تقديم “قانون تصنيف الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي” و الذي يهدف إلى تصنيف التنظيم العالمي للإخوان المسلمين كجماعة إرهابية.
الحكومة الأردنية أدركت هذه الحقائق مبكراً، فأصدرت قراراً بحظر الجماعة واعتبارها تنظيماً إرهابياً. وهذا القرار لم يأت من فراغ، بل جاء بناء على دراسة متأنية لطبيعة هذا التنظيم وممارساته. كما أن عدداً متزايداً من الدول قد اتخذ خطوات مماثلة، حيث صنفت النمسا والبحرين ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي. النمسا، على وجه الخصوص، أصبحت أول دولة أوروبية تحظر جماعة الإخوان المسلمين الإسلامية في إطار قانون مكافحة الإرهاب الجديد الذي اعتمده البرلمان النمساوي في 8 يوليو 2021.
وحتى في فرنسا، التي لم تصنف الجماعة رسمياً كتنظيم إرهابي، أصدرت الحكومة الفرنسية تقريراً يحذر من أن جماعة الإخوان المسلمين تتسلل إلى المؤسسات الفرنسية وتهدد التماسك الوطني. التقرير يحدد اتحاد مسلمي فرنسا كأهم ممثل للإخوان في فرنسا، والذي يسيطر على 139 مكان عبادة ويرتبط بـ 68 آخرين، كما يدير 280 جمعية رياضية وتعليمية وخيرية، و21 مدرسة بهدف إنشاء “نظم بيئية على المستوى المحلي” لـ”تنظيم حياة المسلمين من الولادة حتى الموت”.
إن التجربة السودانية تقدم لنا درساً مهماً حول ضرورة التمييز بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية، وبين الشعارات البراقة والأهداف الحقيقية. فالجماعات التي تتبنى أيديولوجيات تقوم على رفض الدولة المدنية ومبادئ الديمقراطية والمواطنة، والتي تضع ولاءها للتنظيم فوق ولائها للوطن، والتي تستخدم العنف كوسيلة أساسية في العمل السياسي، لا يمكن التعامل معها كأحزاب سياسية عادية، بل يجب التعامل معها وفقاً لطبيعتها الحقيقية.
لذلك، فإن الدعوة إلى إعادة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي ليست مجرد موقف سياسي، بل هي ضرورة قانونية وأمنية تقتضيها طبيعة هذا التنظيم وتاريخه الطويل من الممارسات التي تؤكد أن مشروعه يقوم في جوهره على العنف الممنهج والإرهاب السياسي. التجربة السودانية، بكل ما حملته من مآسٍ ودماء، تقف شاهداً على هذه الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها.

زر الذهاب إلى الأعلى