الأعمدة

مغادرة مناوي المفاجئة لبورتسودان.. تثير التكهنات لرحلة غامضة في توقيت بالغ الحساسية

بقلم : أحمد_عثمان_جبريل
السياسة عالم متغير ومليء بالمفاجآت، فالمواقف يمكن أن تتبدل بشكل مفاجئ بحسب تطورات الأحداث والضغوط المحلية والدولية.. هناك أقوال لسياسيين كبار عركتهم التجارب وخلصوا لأراء في هذا الخصوص، فقد قال باراك أوباما ذات لقاء صحافي : “في السياسة، يجب أن تعرف متى تصر على موقفك، ومتى تكون مستعدًا لتغيير رأيك.” ويشير أوباما هنا إلى ضرورة المرونة والتكيف في بيئة سياسية معقدة.. ويتطابق ذلك تماما مع وجة نظر المرأة الحديدية رئيسية الوزراء البريطانية الأسبق مارغريت تاتشر في قولها: “القيادة تتطلب شجاعة، لكنها تتطلب أيضًا الاستعداد لتغيير رأيك عندما يظهر لك شيء أفضل.” وقول تاتشر، يشير بوضح للصراع الداخلي الذي قد يواجهه القادة بين المضي قدماً في خياراتهم السابقة، أو تعديلها استجابة للأوضاع المتغيرة.. هذه (الرمية) قلناها لماذا كما يقول صديقي البروف عبد اللطيف البوني.. لأنه وفي خطوة غير متوقعة، غادر حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، مدينة بورتسودان في رحلة خارجية لم يُعلن عن وجهتها بدقة.. وقد جاءت في توقيت بالغ الحساسية، و قبل أن يغادر الرجل، أضرم دخانا كثيفا بإطلاقه تصريحات مثيرة للجدل، فتحت أبوابًا للتكهنات بشأن موقفه من المشهد السياسي السوداني المتأزم، وعلاقته بالمركز، وبقوى الهامش، وبالملف المعقد في دارفور.
الواقع أن تلك التصريحات حفزت الناس للتساؤل عن الأسباب الكامنة خلف هذه المغادرة المفاجئة؟ وقد تبع ذلك سؤال موضوعي آخر : لماذا اختار مناوي هذا التوقيت الحرج؟ وما الذي يمكن أن تحمله تحركاته القادمة من مؤشرات على المشهد السياسي في السودان عمومًا، ودارفور خصوصًا؟..
فما أن تسمع تصريحات مناوي الأخيرة، فلا يكون امامك إلا أن تعتبرها دون أدنى مواربة، رسالة مبطنة لكل الجهات، بأن حديثي سيكون له مابعده، ويجب أن يفهم على أنه تصعيدًا سياسيًا واضحًا ضد ما وصفه مناوي بـ”تهميش قوى الهامش” و”الازدواجية في إدارة الدولة السودانية من بورتسودان”.
لقد انتقد مناوي بصراحة ووضوح ما اعتبره “تهميشًا لصوت دارفور” داخل هياكل السلطة الجديدة، ولمّح إلى انسداد أفق التفاهم بين الأطراف التي تمثل ما تبقى من مؤسسات الدولة في الشرق.. هذه التصريحات، التي لقيت صدى واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، أثارت وسط السودانيين واللاعبين الدوليين في الازمة السودانية، تساؤلات حول نوايا مناوي، ومدى استعداده لتغيير قواعد اللعبة، أو على الأقل، إعادة ترتيب أوراقه خارج الإطار المألوف.
ولكن أن يختار مناوي مغادرة بورتسودان في هذا التوقيت، بعد هذه التصريحات مباشرة، فذلك لا يمكن اعتباره مجرد رحلة عابرة، بل هو تحرك محسوب، يُرجح أن يكون مرتبطًا بتفاهمات إقليمية أو دولية، أو مساع جديدة لتأطير دور سياسي مستقل بعيدًا عن دائرة القوى التقليدية في الشرق.
ومنذ ليلة أمس، راجت تكهنات في قروبات صحافيبن وقادة سياسيين، حول أن وجهته ربما تكون إحدى العواصم الإفريقية أو الخليجية، حيث يسعى إلى إعادة التموضع إقليميًا، سواء للحصول على دعم سياسي، أو لطرح رؤية بديلة لمسار السلام والحكم في دارفور.
ولكن السؤال،: هل الرحلة بداية لخطوة أكبر؟ وماهي التكهنات .. الواقع انه وحسب قراءة لشخصية مناوي، فإنه طيلة فترة تاريخه في الشأن السياسي السوداني، ليس من عادته المغادرة بصمت دون تمهيد أو غرض واضح، وهو السياسي الذي تمرس على العمل ضمن المعادلات المعقدة منذ توقيعه على اتفاق أبوجا في 2006، وحتى دخوله في تحالفات (قوى الحرية والتغيير ) الكتلة الديمقراطية.
والبعض يرى أن مناوي قد يكون بصدد إطلاق مبادرة سياسية منفصلة، أو ربما يخطط لإعادة تشكيل تحالف الهامش، بما يشمل أطرافًا غير راضية عن أداء السلطة الانتقالية في بورتسودان. وهناك من يذهب أبعد من ذلك، ويعتبر مغادرته بداية انسلاخ عن المشهد المركزي كليًا، وربما تفكير في العودة إلى الإقليم للعب دور ميداني أكبر.
تأتي كل هذه التطورات في وقت يعيش فيه إقليم دارفور أوضاعًا إنسانية وأمنية حرجة، مع تفاقم العنف الأهلي والنزوح، وغياب شبه تام للمؤسسات الحكومية.. هذا الواقع يفرض على مناوي ( بوصفه الحاكم الإقليمي) مسؤوليات ثقيلة.. ما يبرز سؤالا هنا : هل غادر هربًا من أزمة متفاقمة؟ أم بحثًا عن حلول جذرية خارج حدود الخرطوم وبورتسودان؟.
سألت احد السياسيين البارزين والذي أمسك عن ذكر اسمه وحزبه، عن قراءة لما بين السطور، لهذه المغدرة المفاجئة فقال:” أعتقد يمكن اعتبار مغادرة مناوي بمثابة “تصويت بعدم الثقة” على الوضع السياسي الراهن في بورتسودان، ورسالة مبطنة بأن دارفور ليست على الهامش، ولن تكون مجرد ورقة في لعبة الموازنات بين النخب السياسية”.. كما أنها قد تكون تلميحًا إلى أن الانفصال عن المركز ليس مجرد شعار قديم رفعته حركات الكفاح المسلح، بل خيار مطروح من جديد، وسط تهميش وتجاهل مستمرين لأصوات الأقاليم.
ونحن نقول وسط كل هذه الأسئلة المفتوحة التي تسبق الإجابات، لما بعد التصريحات النارية، والمغادرة الصامتة ..”يظل مني أركو مناوي رقمًا صعبًا في معادلة سياسية تتداعى، و لكن الأهم، هو أن خروجه من بورتسودان ليس مجرد رحلة، بل فصل جديد في حكاية رجل لا يزال يؤمن أن دارفور تستحق أكثر مما تُمنح”.
وتبقى التكهانات والاسئلة مفتوحة، في هل سيعود مناوي بخريطة طريق جديدة؟ أم أن هذه المغادرة ستكرّس غيابه عن مشهد بات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى؟ ..
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة..الله غالب.
#القوات_المسلحة
#حركة_جيش_تحرير_السودان
#حركة_العدل_والمساواة
#القوات_المشتركة

زر الذهاب إلى الأعلى