الأعمدة

السلاح يمارس العرضة بين الناس.. بنادق ومسدسات وقنابل أصبحت بين أيديهم، منهم الهاربون من السجون، ومنهم قاطعو الطرق،

تحت الغيم
عبدالباسط شاطرابي
لكي يعودوا !
هل يداهمك الخوف؟ هذا أمر طبيعي، فعندما تكون سائراً في أحد الشوارع المهجورة، وترى ثلاثة شباب آتين من الاتجاه العكسي، حاملين السلاح، يلفهم الصمت والنظرات الحادة الموجهة إليك.. فهذا لن يكون مؤشر خير أبداً.
وطبيعي أيضاً.. أن يمتلئ قلبك اطمئناناً، إذا كنت تسير في نفس ذاك الشارع، ورأيت ثلاثة أشخاص، فيهم رجل، وامرأة، وطفل يسير إلى جانبهما، وتدور بينهم أحاديث هادئة، وتعلو وجوههم الابتسامات.
أُمُّ المصائب الآن، هي تبخر الأمان.
السلاح يمارس العرضة بين الناس.. بنادق ومسدسات وقنابل أصبحت بين أيديهم، منهم الهاربون من السجون، ومنهم قاطعو الطرق، ومنهم أصحاب الآفات العقلية والنفسية، ومنهم من اقتنى السلاح بالشراء أو المخادعة أو السرقة.
اختفى النشال بأسلوبه العطوف، ليحل محله الناهب الكاوبوي!
سألني سائق السيارة التي استأجرتها إن كنت بحاجة لشراء مسدس. صعقني الرجل، فلقد هجرت (الكديت) أيام الدراسة الثانوية منذ أن قيل لنا إن اليوم التالي من تدريبنا العسكري سيشمل توزيع بنادق (أبو عشرة)!
السائق كان وسيلتي للوصول إلى بعض مناطق المدينة التي كنت أزورها قبل سنوات طويلة في عمل صحفي. سألته إن كان اقتناء المسدسات بهذه السهولة فعلاً، فقال مندهشاً إن كل شيء تحت الطلب، سواء مسدس أو كلاشينكوف أو ذخائر، فقط عليك أن تدفع، ليأتي طلبك في لمح البصر!
استبعدتُ أن يكون الرجل صادقاً، بل جال في خاطري أنه يحتال عليّ، فلم أكترث، كما لم يخطر ببالي أن تلك كانت من إشارات الوميض المبكر المختبئ تحت الرماد، والمندلع ناراً ولظىً بعد نشوب الحرب!
الشرط الأول والأخير في كل حياة مستقرة، الإحساس بالأمان.
هذه بدهية، فكيف يكون الأمر إذا انتشر السلاح، ثم اقترن بجحافل المجرمين والمعتوهين والمغامرين الباحثين عن المكاسب من ركام الجماجم؟!
الحياة القويمة لا تعود دون عودة الأمان.. والأمان لا يكون إلا بكنس كل قطعة سلاح غير شرعية في أيدي الناس.
طبيعي أن تخاف حين يتجه نحوك أولئك المسلحون ذوو النظرات الحادة الموجهة إليك، وطبيعي أن يملأك شعور الأمان حين ترى تلك الأسرة الصغيرة وهي تسير في نفس شارعك.. تتبادل الحديث، وترسم على شفاهها الابتسام.
اتركوا الفرصة للأسرة كي تعود.
وأتيحوا الأمان كي ترجع الابتسامة.
منطق:
– متى يعود كل الناس للخرطوم؟
– حين تعود الخرطوم لكل الناس!

زر الذهاب إلى الأعلى