الأعمدة

أقدام لامعة خطت على سجادة الحكم : رؤساء خرجوا من أرضية الملاعب”

#image_title
#image_title
#image_title
#image_title

#image_title

*#روما، رضوان علي الحسن
في عالم تتباعد فيه المسارات غالباً، يظل التحول من نجم رياضي لامع إلى رئيس دولة هو الأكثر إثارة وندرة. فبينما يختار معظم اللاعبين بعد اعتزالهم دروب التدريب أو الأعمال التجارية، خطف قلّة حظهم من الدهشة طريقاً مختلفاً تماماً: طريق السلطة والسياسة. يبرز اسم جورج ويا، أسطورة كرة القدم الليبيرية، في الأذهان كأشهر مثال على هذا التحول المدهش. لكن الغموض يكتنف حقيقة أن ويا لم يكن وحيداً في هذه الرحلة الاستثنائية. فهناك أسماء لامعة أخرى في سماء الرياضة، استثمرت بريقها الرياضي ومهاراتها القيادية لتشق طريقها عبر المتاهات السياسية المعقدة، وتصل في النهاية إلى قمة الهرم: قصور الرئاسة، حامليْن أعباء حكم دول بأكملها.
لقد أثبت جورج ويا أن الإصرار الرياضي لا يموت. بعد أن توج بالكرة الذهبية كأفضل لاعب في العالم، واجه الهزيمة مرتين في سباق الرئاسة الليبيرية (2005 و2011). لكن روح المنافسة التي طبعت مسيرته الكروية دفعته للمحاولة ثالثة، ليفوز أخيراً ويصبح أول لاعب كرة قدم يتولى رئاسة بلاده، محققاً انتقالاً تاريخياً من مجد الملاعب إلى مسؤولية القصر الرئاسي. وفي روسيا العظمى، لا تنحصر براعة فلاديمير بوتين في دهاليز السياسة فحسب. فالحائز على الحزام الأسود في الجودو، والمصارع السابق الذي أحرز بطولات في صباه ووصل لدرجة الأستاذية بل وسجل حركة خاصة باسمه، يجسد القوة البدنية والفكرية معاً. لقد حول مهاراته القتالية والاستراتيجية المكتسبة على البساط إلى أدوات حكم، مع بقائه الرئيس الفخري للاتحاد الروسي للجودو، شاهدة على جذوره الرياضية الأصيلة.
عبر المحيط الأطلسي، كتب جيرالد فورد، الرئيس الثامن والثلاثون للولايات المتحدة، فصلاً فريداً. فقبل دخوله البيت الأبيض، كان نجماً لامعاً في كرة القدم الأمريكية بجامعة ميتشجن، حاصلاً على لقب أفضل لاعب ومستحقاً مكاناً في فريق النجوم، متجاهلاً عروض احتراف مبهرة ليتجه نحو السياسة، محولاً روح الفريق والانضباط الرياضي إلى قيادة وطنية في فترة حرجة. أما في أرض الجزائر المجاهدة، فقد جمع أحمد بن بلة بين بطولة التحرير وبطولة رياضية مبكرة. كأول رئيس للجزائر المستقلة، كانت له بصمته على أرض الملعب أيضاً، حيث لعب محترفاً لفريق أولمبيك مارسيليا الفرنسي موسم 1939-1940، مسجلاً اسمه في سجلات الكأس، قبل أن يصوغ تاريخاً مختلفاً كرئيس.
وفي فرنسا العريقة، قد يبدو إيمانويل ماكرون كرجل سياسة وفكر بحت، لكن شبابه شهد ارتداءه قميص الظهير الأيسر لفريق “إكول نلي” في دوري القطاعات الفرنسي. ورغم تركيزه اللاحق على طموحاته السياسية الكبرى، يظل شغفه بكرة القدم واضحاً، كما تجلى في متابعته الحماسية لمنتخب بلاده خلال كأس العالم 2022، رابطاً بين ماضيه الرياضي وحاضره الرئاسي. لكن ربما يكون المشهد الأكثر طرافة في هذه القائمة هو ذلك الذي شهده الدوري البوليفي، عندما أدرج نادٍ رئيس البلاد، إيفي بوليز، البالغ من العمر 54 عاماً آنذاك، كلاعب في قائمة فريقه للبطولة كلاعب وسط! هذا القرار غير المسبوق، الذي علل رئيس النادي وقتها إمكانيات الرئيس الجيدة وشغفه الكروي، يقدم لمسة فريدة على العلاقة بين سدة الحكم وروح المنافسة في المربع الأخضر.
لقد أثبت هؤلاء الرؤساء، كل بطريقته، أن المهارات المكتسبة في خضم المنافسة الرياضية – الإرادة الفولاذية، العمل الجماعي، التخطيط الاستراتيجي، والقيادة تحت الضغط – يمكن أن تكون أساساً متيناً لحكم الأمم. إن انتقالهم من هتاف الجماهير إلى أروقة السلطة العليا ليس مجرد سيرة ذاتية استثنائية، بل هو شهادة على قوة الإرادة البشرية وقدرتها على اجتياز الحدود بين عالمي الرياضة والسياسة، ليتركوا إرثاً يثبت أن الفوز الحقيقي قد يتجاوز حدود الميدان.

زر الذهاب إلى الأعلى