الأعمدة

فخاخ المساومات.. والبوصلة التي لا تكذب

دكتور كمال محمد الامين
في زمن تختلط فيه الأوراق، وتتشابك المصالح، وتتقاطع الطرق حتى يضل السائر عن وجهته… في هذا الزمان بالذات، نحتاج إلى بوصلة.
بوصلة لا تحيد عن الحق، ولا تميل مع الريح، ولا تخضع لإغراءات اللحظة أو ضغوط المساومة.
قالها : المهندس عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني، لقناة الجزيرة: “نحن نتمسك ببوصلة سليمة، نحن يهمنا مصلحة شعبنا”.
مصلحة الشعب… هذه العبارة التي صارت أشبه بالعملة المزيفة في أيدي دعاة الحرب حتى أن كل طرف يدّعيها لنفسه، ويتاجر بها في سوق المزايدات.
لكن الحقيقة أبسط من كل هذا التعقيد: مصلحة الشعب في “وقف هذه الحرب ” نقطة على السطر.
“نحن نؤمن بأن الحكم للشعب والحكم للتاريخ، وربنا أعدل الحاكمين”… كلمات تحمل من الوضوح ما يقطع دابر الالتباس. فالشعب هو الحكم الأول، والتاريخ هو الشاهد الذي لا يرتشي، والله سبحانه هو العدل المطلق الذي لا تخفى عليه خافية.
وهنا يقف الإنسان أمام نفسه كل صباح، ليسأل: في أي صف أقف؟
“والله كل صباح أحمد الله ربي أنني في الموقف الصحيح”… هذه الكلمات تحمل طمأنينة من يعرف أين يضع قدميه. طمأنينة من لا يحتاج إلى مبررات معقدة ولا تأويلات ملتوية ليبرر موقفه.
فحين تقف “صمود” ضد دعاة الحرب، فهي تقف مع الحياة ضد الموت، مع السلام ضد الدمار، مع مستقبل الوطن ضد مصالح الفئة.
أما “البلابسة” – وما أجمل هذا التعبير الشعبي الذي يختصر مجلدات من الوصف – فهم أولئك الذين يخلطون الأوراق عمداً، ويشوشون على البوصلة، ويجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً، بحرفية الساحر الماهر.
هؤلاء سيحملون وزر كل نفس تزهق، وكل دمعة تسيل، وكل أم تفقد ولدها، وكل وطن يخرب… سيحملون هذا الوزر أمام التاريخ أولاً، وأمام الله آخراً.
فالحرب التي تُخاض اليوم تحت شعار “جيش واحد شعب واحد” ليست إلا قناعاً براقاً على وجه قبيح… وجه “عودة الكيزان للسلطة”.
والكيزان، كما يعرفهم السودانيون، ليسوا مجرد حزب أو فصيل، بل رمز لزمن الاستبداد والفساد والقهر، زمن تحويل السودان من جنة إلى جحيم.
لذلك، فإن من يقف اليوم في وجه هذا المشروع، إنما يقف في وجه عودة الكابوس، وإن من يرفع صوته ضد هذه الحرب، إنما يرفعه لأجل مستقبل أطفال السودان.
“اللهم أرنا فيهم بأسك العظيم”… دعاء المظلوم الذي لا يُرد. دعاء من يثق في أن العدالة آتية لا محالة، وأن الباطل مهما علا وتجبر، فإن له نهاية.
فالله لا يحب المعتدين، ولا يرضى بالظلم، ولا يترك الطغاة يعبثون في الأرض إلى ما لا نهاية.
والتاريخ شاهد على أن كل من راهن على الحرب خسر، وكل من راهن على السلام ربح، وكل من وقف مع الشعب انتصر، وكل من وقف ضده هُزِم.
هذه هي البوصلة السليمة… بوصلة الضمير، وبوصلة التاريخ، وبوصلة الحق .
لك التحية مهندس الدقير
ختاما :
وهكذا، في زمن الفتن والاضطراب، يبقى الوضوح أغلى ما نملك، والصدق مع النفس أول طريق الخلاص.

زر الذهاب إلى الأعلى