الأعمدة

العمامة ليست درعاً سياسياً… عندما يتحول الدين إلى أداة في الصراع على السلطة

دراسة تاريخية وفقهية وسياسية في إشكالية توظيف الدين في الصراع على السلطة... والسودان نموذجاً

✍️ محمد الفاتح حضرة
🧐خلال الأيام الأخيرة في الشأن السوداني ، تصاعدت على وسائل التواصل الاجتماعي حملة إعلامية واسعة تدعو إلى تجريم انتقاد بعض شيوخ الدين والدعاة الذين اتخذوا مواقف سياسية معلنة، وفي مقدمتهم الدكتور محمد الأمين إسماعيل.
ولم تكتف هذه الحملة بالدفاع عن آرائهم أو مناقشة ما يطرحونه، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك؛ إذ صوّرت كل من ينتقد مواقفهم السياسية، أو يعترض على خطابهم، وكأنه يهاجم العلماء، أو يطعن في الإسلام، أو يستهدف العقيدة نفسها.
وبدا وكأن القضية لم تعد تتعلق باجتهادات بشرية تحتمل الصواب والخطأ…
بل بمعركة بين أنصار الدين وأعدائه.
وهنا يكمن موضع الخلل.
لأن السؤال الحقيقي ليس:
هل يجب احترام العلماء؟
فهذا أمر لا يختلف عليه مسلمان.
وإنما السؤال هو:
هل يصبح العالم فوق النقد إذا اختار أن يكون فاعلاً سياسياً؟
وهذه قضية تختلف تماماً عن مكانة العلماء في الإسلام.
🛑 بين قداسة الوحي… وبشرية الاجتهاد
ينبغي منذ البداية أن نفرق بين أمرين لا يجوز الخلط بينهما.
الأول…
الدين الذي أنزله الله.
والثاني…
الاجتهاد السياسي الذي يصدر عن عالم من العلماء.
فالإسلام معصوم.
أما البشر…
فليس فيهم معصوم بعد رسول الله ﷺ.
والعالم مهما بلغ علمه وفضله يبقى مجتهداً.
قد يصيب.
وقد يخطئ.
ولذلك فإن نقد اجتهاده السياسي ليس طعناً في الإسلام.
كما أن مناقشة مواقفه ليست انتقاصاً من مكانته العلمية.
فالاعتراض على فتوى سياسية، أو على موقف من الحرب، أو من انقلاب، أو من حزب، ليس اعتراضاً على القرآن ولا على السنة.
إنه اعتراض على اجتهاد بشري.
وهذا فرق جوهري يغيب عن كثير من الخطابات المتداولة اليوم.
🛑 عندما يختار العالم الدخول إلى السياسة
لقد كان السودانيون ينتظرون من العلماء والدعاة، منذ اندلاع الحرب، أن يكونوا دعاة إصلاح.
أن يذكروا الناس بحرمة الدماء.
أن يسعوا إلى الصلح.
أن يجمعوا الكلمة.
لكن عدداً منهم اختار دوراً مختلفاً.
فلم يكتف ببيان الأحكام الشرعية.
بل انخرط في معترك السياسة بصورة مباشرة.
فرأينا تأييداً واضحاً لطرف من أطراف الصراع.
وسمعنا دعوات إلى استمرار القتال.
وصدرت خطابات تصف القوى المدنية والسياسية المناهضة للحرب بأنها علمانية، أو معادية للإسلام، أو مرتبطة بمشروعات أجنبية.
بل صُوِّرت الحرب أحياناً على أنها معركة بين الإسلام والعلمانية، لا حرباً أهلية مدمرة بين أبناء وطن واحد.
وهنا لم يعد الشيخ مجرد واعظ.
بل أصبح فاعلاً سياسياً.
ومن يدخل السياسة بإرادته…
يصبح جزءاً من النقاش السياسي.
🛑 لماذا ظهرت هذه الحملات؟🤔
في العلوم السياسية، هناك ظاهرة معروفة، تتمثل في الخلط بين الرمز الديني والمشروع السياسي.
فعندما يتعرض المشروع السياسي للنقد…
تسعى بعض الجماعات إلى تحويل النقاش من نقد المشروع…
إلى الدفاع عن الرمز.
وبدلاً من سؤال:
هل كان هذا الموقف السياسي صحيحاً؟
يتحول السؤال إلى:
كيف تجرؤون على انتقاد العلماء؟
وهكذا تنتقل القضية من مناقشة الأفكار…
إلى حماية الأشخاص.
ومن مناقشة الأدلة…
إلى استثارة العاطفة الدينية.
ويرى كثير من المتابعين أن جانباً من الحملات الإلكترونية الأخيرة يمكن فهمه في هذا السياق؛ إذ تزامنت مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى مواقف بعض الدعاة المؤيدين لاستمرار الحرب، والمعارضين للقوى المدنية التي تدعو إلى وقف القتال، واستئناف مسار الانتقال المدني الديمقراطي.
كما يرى آخرون أن هذه الحملات تجد دعماً داخل قطاعات من أنصار التيار الإسلامي في السودان، الذين ينظرون إلى بعض هذه الشخصيات بوصفها رموزاً لمشروع سياسي وفكري، وليس مجرد دعاة أو علماء.
وسواء اتفق القارئ مع هذا التحليل أو اختلف معه…
فإن القضية الجوهرية تبقى واحدة:
هل تتحول المكانة الدينية إلى حصانة سياسية؟
🛑 العالم وشيخ الدين محترم… لكنه ليس معصوماً‼️
لقد أجمع المسلمون على توقير العلماء.
لكنهم أجمعوا أيضاً على أنه لا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ.
فالعالم يُحترم.
ويُنتفع بعلمه.
لكن رأيه السياسي ليس وحياً.
واجتهاده في الشأن العام ليس ديناً منزلاً.
وقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في أعظم القضايا السياسية بعد وفاة النبي ﷺ.
ولم يقل أحد منهم إن رأيه السياسي أصبح مقدساً لا يجوز مناقشته.
فكيف يُطلب اليوم من الناس أن يمنحوا هذه القداسة لاجتهادات سياسية معاصرة؟
🛑 الخلاصة
إن احترام العلماء خلق إسلامي أصيل.
لكن احترامهم لا يعني إضفاء العصمة على آرائهم السياسية.
ولا يعني أن تتحول العمامة إلى درع يمنع النقاش.
ولا أن يصبح نقد الموقف السياسي هجوماً على الإسلام.
فإذا اختار العالم أن يبقى في مقام الدعوة والتعليم…
فله على الناس حق التوقير والاحترام.
أما إذا اختار – بإرادته – أن يصبح طرفاً في صراع سياسي، أو مؤيداً لحرب، أو مدافعاً عن انقلاب، أو ناطقاً باسم مشروع سياسي…
فإن مواقفه السياسية تصبح، بطبيعتها، جزءاً من النقاش العام.
وهذا لا ينتقص من الدين.
بل يحميه من أن يُختزل في اجتهادات البشر.
ويبقى الإسلام أكبر من الأشخاص…
وأسمى من الأحزاب…
وأبقى من كل الصراعات على السلطة.
📖 في الجزء الثاني إن شاء الله :
🛑 عندما تتحالف السلطة مع المقدس… كيف استُخدم الدين في الصراع على الحكم منذ فجر التاريخ؟

زر الذهاب إلى الأعلى