الأعمدة

ناس في ذاكرة الخاطر .. ( الراحل محمد حسن احمد البشير )

#image_title
حكى لى الراحل محمد حسن احمد البشير عليه الرحمة إنه كان يقف في الصف داخل مكاتب شركة مصر للطيران ليأخذ دوره في شراء تذاكر العودة له واسرته إلى الامارات بعد ان قضوا إجازتهم مع اهل زوجته المصرية في القاهره .
وفجأة دخل شاب مصري عشريني يبدو عليه سيما الغرور ونظرة الاستفزاز تجاه الوافقين في الصف حيث تجاوزهم وذهب مباشرة وخاطب الموظف المسئول بلغة استعلائية بان يترك مابيده وياتي ليخلص له حاجته ..فطلب منه الموظف ان ياخذ دوره مع الواقفين ..فرفع الشاب إصبعه في وجه الموظف قائلا ..انت لا تعلم من اكون انا ..فساله الموظف ومن تكون حضرتك ..فاجاب الشاب وهو يضرب على صدره ..انا خالي بكل فخر رئيس مجلس إدارة .
فقال له الموظف بكل جسارة اذهب وابلغ الباشا خالك ان موظفا اسمه فلان الفلاني طلب مني ان اقف في الصف كسائر البشر ..واتفضل من غير مطرود.
فخرج الشاب وسط ضحكات الاستهجان و نظرات الاستخفاف من الحاضرين .
قال لي محمد حسن.. عليه الرحمة .. ياترى لو ان عقلي استخف في تلك اللحظة وقلت للموظف انا شقيق رئيس جمهورية السودان اليس من الممكن ان يركض لاستدعاء رئيس شركة مصر للطيران من الادوار العليا او على الاقل سياخذني إلى مكتبه للقيام بواجب الضيافة وإنجاز طلباتي على الفور وربما بدون مقابل.
ولكن لم ولن افعل ..لان المسالة في اختلاف العقلية ما بين مجتمع واخر في تقييم الوظيفة العامة التي تعتبر في مكان ما بداية نسب يعتز به الاقارب حتى سلسلة الاحفاد ..وبين مجتمع كمجتمعنا لا يعير هذه المسالة اهتماما ولا يعطيها بعدا طبقيا يميز اهل هذا المسئول ولو كان وزيرا او واليا او حتى رئيسا للجمهورية ..دعك عن رئيس مجلس إدارة مع احترامنا لكل تلك الوظائف.
والحقيقة الاخ محمد ..طيب الله ثراه لم يات بشيء من عنده في هذا الصدد و لم تكن سمة التواضع في الشخصية السودانية ايا كان موقعها من اعراب الوظيفة او عوامل الشهرة من حسنات الإنقاذ على الوجدان السوداني بل هي إرث شهدته كل العهود ما قبل الاستقلال وما بعده .
ولكن إذا ما عدنا لشخصية الرجل الذي زاملناه لسنوات طويلة وهو يعمل كموظف عادي في المكتبة العامة بمدينة العين ..لم يبدو منه وسط الجالية او في تعاملاته مع مسئولي البلاد ما يميز به نفسه كشقيق لرئيس الجمهورية طيلة العشر سنوات التي تمنع فيها عن العودة إلى السودان بتلك الصفة ..وكان سكنه في العين عبارة عن شقة صغيرة و حتى اواخر التسعينيات حينما قرر العودة بعد إلحاح شقيقه عمر البشر لتولى ادارة اعمال خاصة بالاسرة بعيدا عن العمل السياسي او التنظيمي ..والشهادة لله انه قبل تلك العودة كان يقتني في الامارات سيارة متهالكة من طراز السبعينيات ..واذكر حينما استشهد شقيقه عثمان جراء حرب الجنوب في بداية عهد الإنقاذ لم يكن سكنه يسع توافد المعزين ..فافترشنا الارض امام مبنى سكناه خلال ايام المأتم .
ولعل الكثير من الناس لايعرفون ارتباط الرجل توثيق و الشديد بالجزيرة دون اشقائه الآخرين واذكر إنه حينما اصدر كتابا يحوي مذكراته ان اهداني نسخة منه و كلفني بان اوصل نسختين للاستاذ المربي المخضرم الراحل عمر محمدين بقرية شرفت الحلاوين عليه الرحمة وذلك عرفانا من الاخ محمد حسن ..تجاه استاذه الذي كان معلمه في مدرسة صراصر الاولية.. وكان وقع تلك الهدية قويا سالت له عينا المربي الكبير وهو يقرا ذلك الاهداء الرقيق له
نعم نحن السودانيين قد نختلف ونشاكس سياسيا ونتصارع في معتركات العمل العام كل يمارس حقه بما يراه الصواب في توجهاته ولكن ذلك بالطبع لا يطعن بائ حال من الاحوال في مواقفنا العاطفية .
صحيح ان تلك الصفات الحميدة قد حرفها البعض في عالم السياسة إلى تحقير وشيطنة الآخر بنشر خطاب الكراهية اونحى بها آخرون إلى درجة التكفير والعياذ بالله..ولكن يظل الإنسان السوداني هو ذاته الذي يعانق خصمه مباركا فرحه او يرتمي في صدر عدوه مواسيا بالإجهاش في أتراحه .
ولكن هذا لا يخجلنا من ان نقول صراحة ان الإفراط في التواضع الذي يحط من قدر صاحبه احيانا يكون كارثيا محسوبا على طيبتنا وبساطتنا .
وفي الحلقة القادمة وبمناسبة هذة الخاتمة احدثكم عن الوزير السوداني السابق الذي جاء يبحث عن اي وظيفة في الامارات .
والله من وراء القصد

زر الذهاب إلى الأعلى