من بين أكثر المشاهد عبثية
في حاضر السودان أن يتحدث اليوم فارس النور من لندن أمام أنصار حكومة “تأسيس”، مذكّراً بالمظالم التاريخية لإقليم دارفور، وشارحاً كيف أن النظام البائد ارتكب موبقاته هناك، غير انه تناسى الآلة التي استخدمها النظام البائد للبطش. ومتجاهلا أن العصا التي ألهب بها النظام ظهور أهل دارفور، هي ذات العصا التي يهز بها الآن مبشرا.
يافارس عصاك لا تزال تقطر دماً لم تُغسل بعد من أشلاء حرائر الكومة، وكتم ومكجر وطويلة، ولا تزال شاهدة على دموع لم تجف.
المفارقة الموجعة أن بقايا النظام البائد، الذين هاجموه على خطابه، يستنكرون حديثه بالإشارة إلى أن الدعم السريع هو من ارتكب المذابح، متناسين أن ذات هذا الدعم كانوا يصفقون له حتى الأمس، القريب ويهتفون لقائده وله يحجون زرافات ووحداناً. ألم يقل رئيسهم المخلوع يوماً في لحظة ضمير نادرة: “كيف يستجيب الله لدعائنا ونحن من قتلنا الناس لأتفه الأسباب؟ ولما نرجع لأسباب مشكلة دارفور والله لا تستحق أن يُذبح بسببها خروف، دعك من بني آدم؟”
غير أن ما يثير الذهول أكثر هو حال دارفور اليوم: أبناؤها الذين كانوا ضحية للمحرقة، صاروا الآن يقاتلون على جانبي المتراس. بعضهم حمل السلاح مع الجيش، وبعضهم يقاتل تحت راية الدعم السريع، وكأن الدم المنسكب قد محا خطوط الذاكرة. هكذا تحوّل الإقليم إلى مسرح لمعادلة قاسية: المقتول يقاتل مع قاتليه، والشاهد ينهض ليخدم جلاديه.
إن هذا المشهد ليس مجرد مفارقة، بل هو جرح مفتوح في الجسد الوطني كله. لأنه يكشف أن الحرب، مهما تغيّرت الرايات، ما زالت تلتهم المنطق والعقل، وأن دارفور لا تزال تُستنزف بين مطرقة المركز وسندان المليشيات.
الذين يتباكون اليوم على دارفور، سواء من بقايا النظام البائد أو من قادة المليشيات القديمة والجديدة، إنما يعيدون إنتاج المأساة في وجه آخر، ويستثمرون في دماء الأبرياء لشراء شرعية سياسية عابرة. والمفارقة المؤلمة أن دارفور، وهي قلب هذه المأساة، تبدو كما لو أنها رهينة لجلادين يتناوبون على اغتصابها.
إنها لحظة تستوجب شجاعة سياسية جديدة، لا تكتفي بالاستنكار ولا تتاجر بالدماء، بل تضع نهاية لهذه الدائرة الجهنمية من القتل والانقسام. دارفور لا تحتاج لمن يتحدث باسمها بلسان ملطخ بالدماء، ولا تحتاج لجلاد قديم أو جديد، بل تحتاج لسلام عادل يعترف بجراحها ويعيد لها مكانتها كإقليم للعيش لا ساحة للموت.
اللهم ارفع مقتك وسخطك عنا.
#حرب_الندامة
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية



