الأعمدة

عندما يحكم العسكر: لماذا تفشل الديكتاتوريات العسكرية في بناء اقتصادات مستدامة؟”

بقلم: المستشار معاوية أبوالريش
“إذا وضعت حاكماً عسكرياً على رأس السلطة ليحكم الصحراء الكبرى، فخلال بضع سنوات ستجد عجزاً في الرمال” بهذه الكلمات البليغة، لخص الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل ميلتون فريدمان إحدى أهم النظريات في الاقتصاد السياسي الحديث. المقولة، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل في طياتها نقداً جذرياً لطبيعة الحكم العسكري وعجزه الهيكلي عن إدارة الموارد الاقتصادية بكفاءة.
يعمل التفكير العسكري وفق منطق الأوامر والطاعة، حيث تتدفق القرارات من الأعلى إلى الأسفل دون مجال كبير للنقاش أو التفاوض. هذا النموذج، رغم فعاليته في ساحة المعركة، يصبح كارثياً عند تطبيقه على الاقتصاد الذي يتطلب مرونة ديناميكية وقدرة على التكيف السريع مع متغيرات السوق. فالأسواق تعمل وفق آليات معقدة من العرض والطلب والمنافسة والابتكار، وكلها عناصر تتطلب حرية الحركة والتفكير النقدي والقدرة على التجريب والخطأ، وهي أمور تتعارض جذرياً مع الطبيعة الهرمية والجامدة للتنظيم العسكري.
في الأنظمة الديمقراطية، تعمل المعارضة والصحافة الحرة والمجتمع المدني كآليات تصحيح طبيعية تكشف الأخطاء وتضغط لإصلاحها. أما في الأنظمة العسكرية، فإن قمع هذه الأصوات يحرم النظام من الرؤية الثاقبة الضرورية لتصحيح المسار. النتيجة الحتمية هي تراكم الأخطاء وتفاقمها حتى تصل إلى نقطة اللاعودة، حيث تصبح التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للإصلاح أكبر من قدرة النظام على التحمل.
يميل الحكام العسكريون إلى تركيز الموارد في قطاعات محددة، عادة ما تكون عسكرية أو أمنية، على حساب القطاعات الإنتاجية. كما أن غياب الشفافية والمساءلة يخلق بيئة خصبة للفساد وسوء استخدام الموارد العامة. هذا التوجه يؤدي إلى تشويه هيكل الاقتصاد وتحويله من اقتصاد إنتاجي قائم على خلق القيمة المضافة إلى اقتصاد ريعي يعتمد على استنزاف الموارد الطبيعية أو الاقتراض الخارجي.
منذ انقلاب يوليو 1952، شهدت مصر تراجعاً مستمراً في مؤشراتها الاقتصادية النسبية رغم امتلاكها موارد طبيعية هائلة تشمل النيل والقناة والبترول والغاز والمعادن، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي الفريد. البلد الذي كان يُصدر الغذاء أصبح أكبر مستورد للقمح في العالم، وهو تحول يعكس بوضوح فشل السياسات العسكرية في إدارة الموارد الاقتصادية. الإنفاق العسكري المفرط وتدخل الجيش المباشر في الاقتصاد المدني وسياسات الدعم غير المدروسة، كلها عوامل تضافرت لتؤدي إلى تآكل القدرات الإنتاجية للبلاد وتحويلها من اقتصاد منتج إلى اقتصاد مستهلك.
في السودان، نجد المثال الأكثر صراخة وإيلاماً على صحة نظرية فريدمان، حيث تتجلى “مفارقة الرمال” بوضوح مذهل. هذا البلد الذي وهبته الطبيعة بسخاء لا يُضاهى – من مساحة تزيد عن مليوني كيلومتر مربع تضعه في المرتبة الثالثة أفريقياً، إلى موارد مائية هائلة من النيل الأزرق والأبيض و نهر عطبرة ، إلى أراضي زراعية خصبة تقدر بأكثر من مائتي مليون فدان، إلى ثروة حيوانية ضخمة تشمل أكثر من مائة مليون رأس من الماشية والأغنام والإبل، إضافة إلى احتياطيات مؤكدة من النفط والذهب واليورانيوم والكروم – كان يُعرف حقاً بـ”سلة غذاء العالم العربي” ويُوصف بأنه قادر على إطعام القارة الأفريقية بأكملها.
لكن تحت وطأة الحكم العسكري المتواصل منذ استقلاله عام 1956، مع انقلابات متتالية شملت انقلاب إبراهيم عبود 1958، وجعفر نميري 1969، وعمر البشير 1989، ثم انقلاب البرهان وحميدتي 2021، تحول هذا العملاق الجغرافي والطبيعي إلى واحد من أفقر بلدان العالم. الأرقام تحكي قصة مأساوية: من بلد كان يُصدر القطن والصمغ العربي واللحوم والسمسم إلى العالم، أصبح يستورد أكثر من ثمانين بالمائة من احتياجاته الغذائية الأساسية. مشاريع الري العملاقة مثل الجزيرة والرهد التي كانت تُعتبر من عجائب الزراعة الحديثة في أفريقيا، تدهورت بفعل الإهمال وسوء الإدارة والفساد المستشري.
الإنفاق العسكري والأمني الذي كان يستنزف أكثر من سبعين بالمائة من الميزانية العامة في بعض الفترات، جاء على حساب التعليم والصحة والتنمية. الحروب الأهلية المدمرة في الجنوب ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، التي استمرت لعقود، لم تكن فقط تستنزف الموارد المالية، بل دمرت البنية التحتية وشردت ملايين المواطنين وحولت مناطق زراعية واسعة إلى أراضٍ قاحلة. النتيجة كانت كارثية: تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من مستويات متقدمة في الخمسينات إلى أقل من ألف دولار سنوياً، وارتفاع معدلات الفقر إلى أكثر من ستين بالمائة من السكان، وانهيار العملة المحلية، وتدهور الخدمات الأساسية إلى درجة أن العاصمة الخرطوم نفسها تعاني من انقطاع مستمر في الكهرباء والمياه.
الأكثر إيلاماً أن السودان، الذي كان يُصدر الكهرباء لدول الجوار في السبعينات، أصبح يعاني من أزمة طاقة مزمنة رغم إمكاناته الهائلة في توليد الطاقة المائية والشمسية. سد الروصيرص وخشم القربة وسنار، التي كانت مفخرة الهندسة السودانية، تحولت إلى رموز للتدهور بسبب نقص الصيانة وسوء الإدارة. حتى الثروة النفطية التي اكتُشفت في أواخر التسعينات وكان يُفترض أن تحول مسار البلاد اقتصادياً، تم تبديدها في صراعات سياسية وعسكرية وفساد مؤسسي، بدلاً من استثمارها في التنمية المستدامة.
تجربة ميانمار تقدم دليلاً إضافياً على عجز الأنظمة العسكرية عن استثمار الثروات الطبيعية بكفاءة. رغم امتلاك البلاد لثروات هائلة من الغاز والأحجار الكريمة والأخشاب النادرة، ظلت لعقود طويلة تعاني من التخلف الاقتصادي والعزلة الدولية تحت الحكم العسكري. حتى خلال فترة الانفتاح الديمقراطي النسبي التي شهدتها البلاد، استمر تأثير المؤسسة العسكرية في تشويه الأولويات الاقتصادية ومنع تطوير القطاعات الإنتاجية بشكل حقيقي.
أما الجزائر فتمثل حالة كلاسيكية لما يُعرف بـ”لعنة الموارد” في ظل الهيمنة العسكرية. رغم امتلاكها احتياطيات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي، فإن عقوداً من الهيمنة العسكرية غير المباشرة على القرار السياسي أدت إلى بناء اقتصاد ريعي يعتمد بنسبة تزيد عن خمسة وتسعين بالمائة على صادرات المحروقات، مع إهمال شبه كامل للقطاعات الأخرى. النتيجة كانت اقتصاداً هشاً يرتبط مصيره بتقلبات أسعار النفط العالمية، وعجزاً مزمناً في توفير فرص العمل للشباب، وتدهوراً مستمراً في البنية التحتية والخدمات العامة.
لكن هذه القاعدة ليست مطلقة، وهناك استثناءات مهمة تستحق الدراسة لأنها تؤكد صحة النظرية من خلال إثبات ضرورة التحول عن النموذج العسكري لتحقيق الازدهار الاقتصادي المستدام. تركيا تمثل حالة مثيرة للاهتمام، حيث نجحت في التخلص التدريجي من الهيمنة العسكرية على الحياة السياسية والاقتصادية، مما مكنها من تحقيق نمو اقتصادي ملحوظ خلال العقدين الماضيين. هذا التحول يؤكد صحة نظرية فريدمان من خلال إثبات أن التخلص من الهيمنة العسكرية كان شرطاً ضرورياً للنهضة الاقتصادية التركية.
كوريا الجنوبية تمثل الاستثناء الأبرز والأكثر تعقيداً لنظرية فريدمان، حيث حققت نمواً اقتصادياً مذهلاً تحت الحكم العسكري في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. لكن هذا النجاح يمكن تفسيره بعوامل استثنائية متفردة شملت التهديد الوجودي المستمر من كوريا الشمالية الذي خلق حالة طوارئ دائمة، والدعم الأمريكي المكثف والمباشر، والثقافة الكونفوشية التي تؤكد على قيم التعليم والانضباط والعمل الجماعي. والأهم من كل هذا أن كوريا الجنوبية تحولت إلى الديمقراطية في الثمانينات، مما يشير إلى أن النجاح الاقتصادي المستدام يتطلب في النهاية تحولاً ديمقراطياً حقيقياً يضمن استمرارية النمو وعدالة التوزيع.
وفقاً لنظرية الاقتصاد المؤسسي، فإن النمو الاقتصادي المستدام يتطلب مؤسسات قوية ومستقلة تضمن حقوق الملكية الفكرية والمادية، وتطبق سيادة القانون بعدالة، وتوفر الشفافية والمساءلة في استخدام الموارد العامة. هذه المؤسسات نادراً ما تزدهر في ظل الحكم العسكري الذي يعتمد على القوة والسيطرة المباشرة بدلاً من القواعد والضوابط المؤسسية. الأسواق الحرة تعتمد بشكل أساسي على تدفق المعلومات بحرية وشفافية لاتخاذ قرارات اقتصادية رشيدة ومدروسة. الأنظمة العسكرية، بطبيعتها السرية والتراتبية الصارمة، تعيق هذا التدفق الحيوي للمعلومات، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات اقتصادية مبنية على معلومات ناقصة أو مضللة أو مشوهة لخدمة أجندات سياسية ضيقة.
مبدأ التخصص يُعتبر حجر الزاوية في الاقتصاد الحديث والمعقد. الضباط العسكريون، مهما بلغت كفاءتهم ونجاحهم في المجال العسكري، يفتقرون عادة للخبرة الاقتصادية المتخصصة والعميقة اللازمة لإدارة اقتصادات معقدة تتطلب فهماً دقيقاً لآليات السوق والتجارة الدولية والتمويل والاستثمار. محاولاتهم التدخل في كل جوانب الحياة الاقتصادية، من التخطيط المركزي إلى تحديد الأسعار وإدارة الشركات، تؤدي حتماً إلى نتائج عكسية تدمر الكفاءة الاقتصادية وتقتل روح المبادرة والابتكار.
مقولة ميلتون فريدمان ليست مجرد تهكم ذكي أو نكتة اقتصادية، بل تلخيص عبقري وعميق لقانون اقتصادي أساسي واضح المعالم: الأنظمة القائمة على القوة والسيطرة المركزية المطلقة تفشل حتماً في إدارة الموارد بكفاءة وعدالة، مهما كانت وفرة هذه الموارد أو ضخامتها. التاريخ المعاصر مليء بالأمثلة الصارخة التي تؤكد هذه القاعدة بوضوح مؤلم، من مصر التي تحولت من منتجة للغذاء إلى مستوردة له، إلى ميانمار التي بددت ثرواتها الطبيعية الهائلة، ومن السودان الذي تحول من سلة غذاء إلى بلد يعاني من المجاعات، إلى فنزويلا التي تملك أكبر احتياطيات نفطية في العالم لكنها تعيش أزمة اقتصادية خانقة.
الدرس واضح ولا يحتمل التأويل: التنمية الاقتصادية الحقيقية والمستدامة تتطلب بيئة من الحرية السياسية والفكرية، وشفافية في المعلومات واتخاذ القرارات، ومساءلة حقيقية للحكام، ومؤسسات مدنية قوية ومستقلة تضمن العدالة وسيادة القانون. هذه العناصر الحيوية لا يمكن أن تنمو وتزدهر تحت ظلال البنادق وفي أجواء القمع والخوف، مهما كانت النوايا المعلنة حسنة أو الشعارات براقة.
في عالم يشهد اليوم تراجعاً ديمقراطياً ملحوظاً في عدة مناطق من العالم، وصعوداً للنزعات الاستبدادية والعسكرية، تبقى كلمات فريدمان الحكيمة تذكيراً قوياً وضرورياً بأن الطريق الوحيد إلى الازدهار الاقتصادي الحقيقي والعادل يمر حتماً عبر بوابة الحرية السياسية والمؤسسات المدنية القوية والمستقلة. أما محاولة بناء الاقتصاد بالقوة العسكرية والأوامر الفوقية، فهي كمحاولة زراعة الصحراء بالدبابات والمدافع – مهمة مستحيلة تنتهي حتماً بالفشل الذريع وإهدار الثروات والإمكانات.

زر الذهاب إلى الأعلى