نزار عثمان السمندل
كان الزعيم، في ماضي ما أُطلق عليه “العالم الحر”… كان يشبه النسر. ينظر من علٍ. يحلّق في مدارات المعنى. تفيض خطبه على الناس كما يفيض الماء من أعالي الجبال، تُروى بها العقول، وتُشحذ بها الهمم.
كانوا رؤساءً من صنف الكبار: جنرالات خرجوا من براكين الحروب، أو مفكرين شربوا من ينابيع الفلسفة، أو شغوفين بالحقيقة والعدالة، أو على الأقل ممثلين بارعين لدور الزعيم، لا يخطئون الإيماءة ولا العبارة.
لكنّ العالم تغيّر. وهبطت السياسة من عليائها. صارت على مقاس الشاشات لا على مقاس المبادئ. غادرت القصور العريقة لتسكن استوديوهات برامج الواقع. ولم يعد الحاكم بحاجة إلى قراءة مونتسكيو أو هوبز أو نيتشه. يكفيه أن يطلق نكتة على “تويتر”، أو يهين خصمه في تسجيل “تيك توك”، أو يلوّح بقبضة غضبه في مؤتمر انتخابي مشحون بالكراهية والضجيج.
في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والذي يمكن؛ بكل بساطة، تسميته بـ”زعيم التافهين”، لم يكن للنخبة مكان. فالرجل الآتي من أبراج الصفقات ودهاليز الكازينوهات لم يُخفِ يوماً ازدراءه لأبناء هارفرد وييل وبرينستون. لا يرى فيهم إلا “يساريين مخربين”، أعداء للنجاح، ولأميركا التي يعرفها هو: أميركا الصفقات لا الأفكار. أميركا الشعارات لا الكتب. أميركا العظمة المصطنعة لا التواضع العميق.
اختار ترمب أن يحكم مع من يشبهونه. لا حاجة إلى خريجي النخبة، بل إلى وجوه شاحبة من إعلام يميني صاخب، أو جنرالات متقاعدين يملأهم الحنين إلى الهيمنة، أو رجال أعمال يعتبرون الحكومة حملاً زائداً.
نائبه جاي دي فانس، القادم من عتمة الريف الأميركي، خاطب الأوروبيين في مؤتمر ميونيخ قائلاً إنه “غير متحمس لإنقاذ أوروبا للمرة الثالثة”. وكأن التاريخ لم يكن درساً، وكأن الجغرافيا فقدت ذاكرة الحروب.
أما وزير دفاعه بيت هيغسيث، فيرى أن الأمم المتحدة مجرد عبء، لا ضرورة له. العالم في نظر هؤلاء ساحة لرفع الأسعار، لا لإنزال الأسلحة. منصة لمباراة في الانغلاق، لا في الانفتاح.
في فرنسا، بلد الأنوار، كانت الرئاسة تجاور الفلسفة. فرانسوا ميتران، رجل الكتب والمكتبات، كان يزرع في خطبه بذور القلق والتأمل. جاك شيراك، رغم مزاجه الشعبي، كان يحمل في قلبه حنيناً إلى الجنرال ديغول، وهيبة الدولة، وجلال الفكرة.
لكن فرنسا انقادت بعد ذلك، إلى قبضة رؤساء مهزوزين أو هاربين من ملفات القضاء أو عشاق الضوء الخاطف. ساركوزي، الذي دخل الإليزيه بحذاءٍ نهم، خرج منه مطارداً بلائحة اتهامات. فرنسوا هولاند، رئيس بلا وزن، تقاذفته ألسنة الساخطين كما تقذف الريح ورقة يابسة. أما ماكرون، ففتى موهوب في التلاعب بالكلمات، لكنه بلا جذور. رئيس بشعر مشذب، وخطابات مشوشة، وكأن فرنسا عنده مجرد شركة ناشئة تحتاج إلى “تسويق سياسي”.
ليست أميركا وحدها، ولا فرنسا فقط. في كل مكان، يعلو صراخ “الرئيس التافه”. ذاك الذي لا يخجل من جهله، بل يستعرضه على أنه فضيلة.
بريطانيا مثلاً… انكشفت بعد البريكست، وبدت دولةً تائهة، تُدار أحياناً بوجوه لا تصلح لقيادة بلدية صغيرة، ناهيك عن “الإمبراطورية السابقة”. قارن مثلاً بين مارغريت تاتشر، التي كانت تُمسك بتفاصيل الاقتصاد وتخوض معارك كبرى بثقة حديدية، وبين بوريس جونسون، الذي اختصر المشهد في نكات باهتة وتسريحات مستفزّة، وكأن السياسة مسرح عبثي لا أكثر.
لسنا أمام أزمة زعماء، بل أمام انقلاب ثقافي شامل، دمّر ما كان يمنح السياسة شيئاً من القداسة. لقد تفككت الفكرة القديمة للنخبة: تلك التي تقوم على الكفاءة والمعرفة والسلوك العام. تفشت عقلية “الرجل العادي” في السياسة. صار الناخب يفضل من “يشبهه”، لا من “يفهمه”. من يصرخ معه، لا من يرشده.
هكذا انتصرت التفاهة. دخلت من شاشات “الواقع”، واستقرت في صناديق الاقتراع. هربت النخبة إلى الجامعات، وتسلل التافهون إلى الحكم. سقطت السياسة من عليائها، وتحولت إلى مباراة صاخبة في حلبة بلا قواعد.
هل من أمل؟ ربما. فحين يشتد الظلام، تعود الحاجة إلى الضوء، وحين يعم الصراخ، يصير للصوت العاقل صدى جديد. في لحظة ما، ستتعب الشعوب من الضجيج، وستعود تسأل عن “الزعيم الحقيقي”: ذاك الذي لا يبيعها أوهام العظمة، بل يمنحها فرصة لعيش حياة كريمة، في ظل قانون عادل، وحد أدنى من الحياء السياسي.
وإلى ذلك الحين… ما علينا إلا أن نحدق في مشهد الزعيم التافه، وهو يتصدر المسرح، يتلاعب بالكلمات، ويرقص بحماس فوق ما تبقى من الهيبة، كمن وجد أخيراً شيئاً يُتقنه.



