الأعمدة

هل بدأ الاصطفاف الأخير في الحرب السودانية؟

عبد الله مكي
ما يجري اليوم في السودان لا يبدو مجرد إعادة ترتيب لتحالفات سياسية أو عسكرية بل أقرب إلى عملية فرز تاريخية تكشف الوجوه الحقيقية للقوى التي ظلت تتحرك لسنوات خلف الشعارات. فالحرب، مهما كانت مدمرة، تمتلك قدرة استثنائية على إسقاط الأقنعة. وعندما يطول أمدها، يصبح من الصعب على أي طرف أن يواصل الاختباء خلف الخطاب المزدوج أو المواقف الرمادية.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى التصدعات المتزايدة داخل التحالفات المرتبطة بالجيش وبعض الحركات المسلحة. فهذه التحالفات لم تنشأ على أساس مشروع وطني متفق عليه، بل على أساس الضرورة العسكرية والخوف المتبادل والمصالح المؤقتة. ولذلك فإن الانقسامات التي بدأت تظهر ليست حادثاً عابراً، بل تعبيراً عن التناقضات البنيوية التي ظلت كامنة منذ البداية. وكلما اقتربت الحرب من مراحلها الحاسمة، ستزداد هذه التناقضات وضوحاً لأن السؤال لم يعد من سيقاتل مع من، بل من سيحكم ومن سيقتسم السلطة والثروة بعد توقف القتال.
وفي هذا الإطار يصبح الحديث عن انتقال شخصيات أو حركات من معسكر إلى آخر أمراً وارداً. فالمشهد السوداني أثبت مراراً أن التحالفات فيه لا تُبنى على أسس أيديولوجية صلبة بقدر ما تُبنى على موازين القوة. لذلك فإن أي حديث عن بقاء التحالفات الحالية كما هي حتى نهاية الحرب يبدو أقرب إلى الأمنيات منه إلى القراءة الواقعية.
لكن التطور الأكثر أهمية لا يتعلق بانقسامات هذا المعسكر أو ذاك، بل بتبلور معسكر واضح المعالم حول المؤسسة العسكرية. فمع مرور الوقت تتجمع في هذا المعسكر قوى كانت تبدو متباعدة في السابق: الإسلاميون، مجموعات التعبئة العقائدية، بعض الحركات المسلحة، عناصر عادت من صفوف الدعم السريع، وشبكات المصالح المرتبطة بالدولة القديمة. قد تختلف هذه المكونات في التفاصيل، لكنها تلتقي حول هدف واحد يتمثل في إعادة تشكيل السلطة تحت مظلة القوة العسكرية.
هذه الحقيقة تضع القوى المدنية أمام امتحان وجودي. فسنوات طويلة من الانقسام والتنافس والصراعات الصغيرة أضعفت قدرتها على الفعل. وبينما كانت الأطراف المسلحة تعيد تنظيم صفوفها وتبني تحالفاتها على الأرض، ظلت قطاعات واسعة من القوى المدنية أسيرة بيانات ومواقف لم تعد قادرة وحدها على التأثير في مجرى الأحداث.
المشكلة ليست فقط في ضعف هذه القوى، بل في غياب مشروع سياسي جذري يواجه جذور الأزمة السودانية. فالحرب الحالية ليست مجرد صراع بين جيش ودعم سريع، ولا مجرد نزاع على السلطة بين نخب متنافسة. إنها نتيجة مباشرة لفشل الدولة السودانية نفسها في بناء عقد اجتماعي عادل، وفشل النخب المتعاقبة في معالجة التهميش التاريخي والاختلالات البنيوية التي أنتجت الحروب جيلاً بعد جيل.
ولهذا فإن أي اصطفاف جديد لا يطرح أسئلة الدولة والعدالة والمواطنة وتقاسم السلطة والثروة سيظل مجرد إعادة تدوير للأزمة بأدوات مختلفة. وقد يكون هذا هو الخطر الأكبر في المرحلة القادمة؛ أن تنتهي الحرب العسكرية بينما تستمر الأسباب التي أشعلتها أصلاً.
أما مبادرات السلام الإقليمية والدولية، بما فيها جهود الرباعية وغيرها، فتبدو اليوم أكثر ضعفاً من أي وقت مضى. ليس لأن فكرة السلام فقدت أهميتها، بل لأن الأطراف المتحاربة ما زالت تعتقد أن بإمكانها تحسين مواقعها عبر استمرار الحرب. وحين تصبح الحسابات العسكرية هي اللغة السائدة، تتحول مبادرات السلام إلى مجرد محطات انتظار إلى أن تتغير موازين القوى.
لكن التاريخ السوداني يعلمنا أيضاً أن الحروب لا تحسم القضايا السياسية الكبرى. قد تنتج منتصراً عسكرياً، لكنها لا تنتج بالضرورة دولة مستقرة. ولذلك فإن جميع القوى التي تراهن على الحسم العسكري الكامل قد تكتشف لاحقاً أنها انتصرت في المعركة وخسرت السلام.
ما يتشكل اليوم ليس مجرد اصطفاف أخير في حرب السودان، بل اصطفاف حول سؤال أكبر: هل سيعود السودان إلى دائرة الدولة الأمنية والعسكرية التي أنتجت أزماته المتراكمة، أم تنجح قوى جديدة في فرض مشروع وطني مختلف يعالج جذور الأزمة لا أعراضها؟
هذا هو السؤال الحقيقي الذي تخفيه ضوضاء المعارك اليومية. وكل ما نراه من تحالفات وانشقاقات وانتقالات بين المعسكرات ليس سوى تفاصيل في صراع أعمق على شكل السودان الذي سيولد من تحت ركام هذه الحرب.
عبدالله مكي
#الاصطفاف_الأخير
#السودان_إلى_أين
#مستقبل_السودان

زر الذهاب إلى الأعلى