الحياة في مدن وقرى الشمال، تلك الممتدة على ضفتي النيل العجوز، ليست سوى لوحة من الصبر الممزوج بالوجع.
هنا، حيث تنحسر الأرض حتى تكاد أن تُفلت من بين أصابع الفلاح، وحيث يختصر الإنسان يومه بين لقمة بالكاد تكفي وأمل يلوح ولا يكتمل.
لا شيء يغري بالعيش في هذه الأصقاع سوى الحنين. الحنين وحده يربط الإنسان بالأرض، ويجعله يتشبث بالبيوت الطينية التي تهتز مع أول ريح شمالية، وبالحقول التي لا تعطي إلا بعد مشقة طويلة. الموظف والعامل، المزارع والحرفي، جميعهم يحملون الملامح نفسها: أجساد أنهكها التعب حتى صارت عظامًا يكسوها قليل من اللحم، وعيون غائرة يعلوها بريق المقاومة، وحياة مكابدة لا يوازيها سوى صبر الجبال الصامتة المحيطة بهم.
في أسواق المدن الصغيرة، تتزاحم بقايا الفقر على الطاولات الخشبية: حفنة بصل يابس، أكياس سكر قليلة، وزيت تباع مقاسيم. في المقاهي، يجلس الشيوخ على كراسي متهالكة يسكبون المرارة في فناجين الشاي، يتحدثون عن شباب رحلوا إلى المنافي البعيدة بحثًا عن رزقٍ لا وجود له هنا. النساء يعصرن وجوههن في صمتٍ شجاع، يحملن أعباء البيت والأرض والغياب معًا، فيما الأطفال يركضون حفاة خلف كرة من القماش، يضحكون رغم أن الخبز في البيت قليل.
الشمال أرض تصنع الصلابة كما تصنع الوجع. من صخورها وحرّها تعلم أهلها الصبر، ومن فقرها تعلموا الاكتفاء بالقليل. لكن بين تلك القسوة، يبقى الحنين هو سر البقاء. الحنين إلى النيل حين يفيض ويغسل العراء بالماء، إلى النخيل وهو يشهد على مر العصور، وإلى الأجداد الذين زرعوا الأرض بالعرق والرجاء.
إنها حياة مكابدة.. حياة لا تحتمل إن لم يكن في القلب جذر يمتد إلى هذه الأرض العطشى. هنا، الفقر ليس مجرد حالة اقتصادية، بل قدرٌ يورّث مع الأسماء والبيوت. ومع ذلك، يظل الشمال واقفًا، كأنه يقول: لسنا أغنياء بما نملك، لكننا أحياء بما نحمل من صبر، وما نورث من حنين لا يذبل.
استمع إليهم، بدهشة يتحدثون عن الشمال وكأنه غولٌ يمد أذرعه الطويلة ليمتص دماء الغلابة من بقية الأقاليم. صار الأمر، مع كثرة الترديد، أشبه بترند سياسي: إن أردت أن تلبس عباءة الهامش وتستجلب لنفسك شرعية الغضب، فما عليك إلا أن تشير إلى الشمال.
إن أردت أن تهاجم الكيزان وتختصر تاريخهم السيئ في بقعة من الأرض، فلتوجّه إصبعك إلى الشمال.
وإن أردت أن تبعث الحماسة في مقاتليك الذين أوهنتهم الحرب وأنهكهم الجوع، فما عليك إلا أن تلوّح نحو الشمال.
هذا الخطاب ليس بريئًا، بل منتج من ذات الغرف المعتمة التي اعتادت كتابة الكراهية وصياغة الأوهام، من ذات الحبر الذي خطّ “كتابًا أسودَ” ملأ النفوس غيظًا وزرع في القلوب فرقةً وخصامًا.
لكن الحقيقة أوسع من هذه الرواية الضيقة. الشمال الذي يصورونه غولًا، هو ذاته أرض الفقر المكابر، والقرى اليابسة التي لا تعرف إلا العرق والكدح. هو بيوت الطين التي يسكنها موظفون بأجور هزيلة، ومزارعون لا يجنون إلا ما يسد الرمق، وشباب تفرّقوا في المنافي لأن الأرض لم تمنحهم غير الحنين.
إن تصوير الشمال باعتباره مركز الامتياز والنهب، ليس إلا ظلًا من ظلال خطاب الكراهية. ويجب مواجهته بالحقائق، لا بلغة مماثلة ولا بردح متبادل، وإنما باستدعاء التاريخ كما هو: الشمال لم يكن يومًا سوطًا على ظهر الآخرين، بل كان شريكًا في ذات المعاناة، ميدانًا للمكابدة، ومصدرًا لرجال ونساء لم يعرفوا سوى التضحية في سبيل الوطن الكبير.
هكذا يصبح المشهد أوضح: ما يُراد أن يُختصر في إشارة عابرة، هو في الحقيقة تاريخ من الوجع والعرق، وواقع من الفقر والمكابدة. وإن كان لا بد من مواجهة الغرف التي تُنتج خطاب الفرقة، فلتكن المواجهة بالحقيقة وحدها؛ فهي السلاح الأصدق، والأبقى أثرًا من الكراهية التي لا تخلّف سوى رماد.
فلتكن مواجهة الخطاب المسكون بالكراهية ببسط لغة التسامح، لا بتشكيل المليشيات ولا بالاستعداد لجولات جديدة من الدم والدمار. فما الذي جلبته الحروب غير الخراب، وما الذي أورثته المليشيات غير الثأر الممتد والأرض المحروقة؟
من ظن أن التحشيد للحرب هو الحل فهو مخطئ، لأن الحرب لا تزيد النار إلا اشتعالًا، ولا تزيد الجرح إلا عمقًا. ومن ظن أن الكراهية تعالج بالكراهية فهو مخطئ، لأن الكراهية لا تُنبت غير الكراهية، ولا تُثمر إلا مزيدًا من الضغائن التي تتوارثها الأجيال. ومن ظن أن الموت يعالج بالموت فهو مخطئ، لأن الدم حين يسيل لا يمحو الدم السابق، بل يستدعي دمًا جديدًا يطلب الثأر.
المواجهة الحقيقية تبدأ من الكلمة، من إعادة بناء الثقة في أن الوطن أوسع من هذه الجراح، وأرحب من تلك الصور النمطية التي تُرسم بالأصابع المشيرة إلى الشمال أو الشرق أو الغرب. مواجهة الكراهية لا تكون بالسلاح، بل بالاعتراف المتبادل وبسط الجسور بين الناس، بإحياء اللغة التي تُذكرهم أنهم جيران في الحياة، لا أعداء في المعركة.
إنه امتحان أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا. فإما أن نردّ على خطاب التمزق بخطاب المحبة، وعلى الدعوات للحرب بدعوات للحياة، أو أن نستسلم لمنطق الخراب الذي لا يخلّف غير العدم. وما أحوج السودان اليوم، في قراه ومدنه، في شماله وجنوبه وشرقه وغربه، إلى أن يُبنى مجددًا على قاعدة التسامح، لا على ركام المليشيات وجثث الأبرياء.
فلتكن الكلمة جسرًا لا خندقًا، وليكن التسامح سلاحًا أعتى من البندقية، لأنه وحده القادر على إطفاء نيران الكراهية وإعادة الحياة إلى وطن أنهكته الحروب.
#حرب_الندامة
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية



