الأعمدة

بين صافرات الملاعب وصافرات القصف.. كيف نفرح بكأس العالم والدماء تسيل؟”


#روما، رضوان علي الحسن
عندما تعلو صافرات الملاعب في أميركا والمكسيك وكندا صيف العام ٢٠٢٦، وتنطلق أعظم بطولة كروية في التاريخ بمشاركة ٤٨ منتخبا، سيكون العالم العربي يعيش لحظة من أعقد اللحظات التي مرت بها منطقتنا. فبينما تستعد ملاعب كأس العالم لاستقبال الملايين من الجماهير، تشتعل النار في الشرق الأوسط، وتتسع رقعة الحرب لتطاول إيران وإسرائيل وأميركا في مشهد يعيد رسم خريطة الصراع بدماء العرب في الخليج ولبنان وفلسطين.
وهنا يطرح السؤال المؤلم: كيف لنا أن نفرح؟ كيف لنا أن نلهو بمهارات نجم نعشقه وأهداف منتخب نشجعه، بينما إخواننا في غزة وجنوب لبنان والضفة الغربية وفي مدن الخليج العربية المستهدفة من التهديدات الإيرانية يعيشون تحت وطأة القصف والدمار والتهجير؟
عندما تصطدم المتعة بالوجع
كرة القدم بطبيعتها ملاذ للفرح والهروب من هموم الحياة، لكنها في زمن الحرب تصبح اختبارا حقيقيا للضمير. المشجع العربي اليوم يعيش حالة انقسام قاسية بين رغبته الطبيعية في الاستمتاع بسحر الكرة العالمية وبين مشاهد الدمار التي تبثها الشاشات ذاتها قبل المباراة وبعدها.
ونحن نعرف جيدا أن إنجازاتنا العربية في بطولات كأس العالم ليست كبيرة على أرض الملعب، لكن حضورنا في عالم كرة القدم لم يكن غائبا أبدا. فبفضل الأموال العربية وصناديقها السيادية من السعودية والإمارات وقطر، استطاعت كرة القدم العالمية أن تقفز قفزات نوعية في مجال الاستثمارات، وأن تصل إلى آفاق جديدة من التطور بفضل الدعم العربي الكبير للاتحاد الدولي لكرة القدم.
ولقد أثبتت قطر الشقيقة للعالم أجمع، حين استضافت كأس العالم ٢٠٢٢، أن العرب قادرون على تقديم أعلى مستويات التنظيم وأرقاها، حتى باتت تلك النسخة توصف بأنها الأفضل في تاريخ البطولة منذ انطلاقتها عام ١٩٣٠. هذا الإرث العربي في دعم كرة القدم العالمية يظل مصدر فخر لنا جميعا.
متعة مؤجلة في انتظار السلام
الحقيقة أن المتعة الحقيقية بكأس العالم لن تكتمل ما دامت نار الحرب مشتعلة في منطقتنا. فالفرح الحقيقي هو فرح جماعي، فرح يشعر به الجميع. لا يمكن أن يكون الفرح فرديا في زمن الموت الجماعي.
ونحن نعلم أن كأس العالم ٢٠٢٦ ستقام في ثلاث دول كبرى، وأن الاتحاد الدولي لكرة القدم لن يلغي البطولة مهما اشتدت الحرب، لأن التاريخ علمنا أن كأس العالم توقفت مرتين فقط عندما كانت الحرب عالمية، كما حدث في نسختي ١٩٤٢ و١٩٤٦. اليوم الحرب ليست عالمية وإن كانت تداعياتها تطال الجميع.
ولكن هذا لا يعني أن الحرب لن تؤثر على البطولة. فقد نشهد إجراءات أمنية مشددة، وقد تواجه بعض المنتخبات قيودا على السفر، وقد يضطر فيفا إلى تعديل جدول المباريات أو نقل بعض المواجهات لأسباب أمنية. وفي حال تفاقم التوتر بين إيران والولايات المتحدة، فإن المنتخب الإيراني الذي سيلعب مبارياته على الأراضي الأميركية سيكون محورا لهذه التداعيات.
أمل لا يموت
وفي النهاية، نحن نتمنى أن تنتهي الحرب قبل أن تنطلق صافرة المباراة الأولى في ١١ حزيران ٢٠٢٦. نتمنى أن يعم السلام العالمي، وأن تصبح ملاعب كأس العالم مساحة للوحدة لا للصراع، مكانا للفرح لا للوجع.
ونحن العرب، رغم كل الجراح التي نعيشها، نريد أن نعيش هذه البطولة كما يستحقها عشاق الكرة حول العالم. نريد أن نستمتع بمهارات اللاعبين ونفرح بإنجازات منتخباتنا من دون أن يخنقنا الألم. نريد أن نكتب صفحة جديدة في تاريخ الرياضة العربية، صفحة يغلب فيها الفرح على الحزن، والبناء على الدمار، والسلام على الحرب.

زر الذهاب إلى الأعلى