بقلم.المستشار/ مهيد شبارقة
مقدمة:
#مابين نزيف الحرب وتحوّلات القيادة
منذ أن دخل السودان دوامة حرب الخامس عشر من أبريل لم تعد البلاد تعرف الهدوء…!!
فالمعارك لا تنحصر في الخرطوم وحدها بل تتوزع على الأقاليم وتظل كردفان أحد أبرز المسارح الدامية التي تتجدد فيها المعارك بلا هوادة وفي الوقت ذاته تُصدر القيادة العسكرية في الخرطوم قرارات بالإقالات والترقيات داخل المؤسسة العسكرية يعلنها الفريق أول عبد الفتاح البرهان وكأنها وصفات سياسية.عسكرية لإعادة ترتيب البيت من الداخل وهذا التوازي بين الدم النازف في الأطراف والقرارات المتلاحقة في المركز يثير سؤالاً ملحاً: #هل العلاقة بينهما مجرد مصادفة زمنية أم أن هناك خيطاً استراتيجياً يربط الجبهتين ببعضهما بحيث يصبح نزيف الميدان مبرراً لإعادة توزيع الولاءات داخل القيادة العليا..؟
وللاجابة على ذلك
أولاً: #كردفان الجغرافيا التي تكتب بالدم:
فكردفان لم تكن يوماً هامشاً عادياً في الجغرافيا السودانية فهي صلة الوصل بين الشمال والغرب ومنطقة غنية بالموارد الزراعية والرعوية ومفتاح للطرق التجارية والعسكرية لكن في ظل الحرب الأخيرة تحولت إلى ساحة حرب مفتوحة.
١/#شراسة المعارك الأخيرة
شهدت اطراف.مدينة الأبيض والدبيبات وهيبيلة وأبو زبد جولات قتال عنيفة بين الجيش وقوات الدعم السريع استخدمت فيها المدفعية الثقيلة والطيران المسيّر، وسقط مئات القتلى والجرحى في صفوف المدنيين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين النيران أحد النازحين من منطقة /#أبو حراز قال في شهادة:
(لم نعد نعرف لمن ننتمي الجيش يقصف من بعيد والدعم السريع يقتحم القرى ونحن نركض بأطفالنا في العراء كأننا غرباء في أرضنا…!!!)
٢/#البعد الإنساني
تقديرات منظمات الإغاثة تفيد بأن عشرات الآلاف نزحوا من مناطق كردفان خلال الأشهر الأخيرة وحدها فالمدارس أغلقت المستشفيات تضررت والطرق أصبحت غير آمنة فأصبحت النساء والأطفال هدفاً مباشراً لموجات الجوع والمرض بينما يستمر القتال بلا أفق.
٣/#دلالة كردفان الاستراتيجية
المحلل العسكري اللواء المتقاعد /الطيب محمد أحمد يرى أن السيطرة على كردفان تعني السيطرة على شريان مواصلات حيوي يربط بين الوسط والغرب كما تعني التحكم في ممرات تهريب السلاح والذهب ويقول:
(#من يربح كردفان يضع يده على قلب السودان اللوجستي ولهذا تدفع الأطراف بكل ما تملك من قوة لإحكام السيطرة عليها)
ثانياً: #قرارات البرهان بالإقالات والترقيات:
في الخرطوم وعلى وقع القتال في الأقاليم برزت سلسلة من القرارات العسكرية التي أصدرها البرهان شملت إقالات لقيادات محسوبة على تيارات حزبية معينة وترقيات لضباط ميدانيين ارتبطت أسماؤهم بالمعارك الأخيرة.
١/#مضمون القرارات
أقال البرهان بعض قادة الفرق العسكرية الذين ترددت حولهم اتهامات بالفشل أو التواطؤ وعيّن بدلاً عنهم ضباطاً شباباً عرفوا بارتباطهم المباشر بالعمليات القتالية في كردفان ودارفور كما شملت الترقيات ضباطاً من سلاح الطيران والمدفعية في إشارة إلى تكريس عقيدة الحرب الهجومية.
٢/#أهداف القرارات
يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور:
#إعادة توزيع الولاءات:
فالتخلص من العناصر التي يُشك في ولائها أو ولائها المزدوج.
#مكافأة الميدانيين:
بمنح الضباط الميدانيين الذين أظهروا شراسة في القتال مكافأة معنوية ومادية.
#ضبط هرم القيادة:
وذلك.بإعادة بناء قيادة متماسكة تستطيع أن تقود حرب استنزاف طويلة.
٣/#شهادات وتحليلات
يقول.الخبير الأمني د/حسن عبد الرحيم يعلّق قائلاً:
(البرهان يدرك أن الجيش بات منهكاً وأن الخطر الأكبر قد يأتي من داخله لذلك فإن الإقالات والترقيات هي في حقيقتها إجراءات وقائية هدفها إحكام القبضة على القرار العسكري ومنع أي انشقاق محتمل)
ثالثاً: #التقاء الميدان بالمركز
عند النظر بتمعن نجد أن معارك كردفان وقرارات البرهان في الخرطوم ليستا خطين متوازيين بل مسارين يلتقيان في جوهر واحد: (#تثبيت السلطة).
١/#انعكاس الميدان على القرارات:
فكلما اشتدت المعارك في كردفان أو دارفور ازداد الضغط على البرهان لإعادة ترتيب القيادة ففي لحظة تُكسب المليشيا أرضاً جديدة تأتي قرارات الخرطوم لتعويض ذلك الخلل عبر إقصاء قيادات أو ترقية أخرى.
٢/#معادلة الدم والولاء:
صار معيار الولاء للبرهان يقاس بمدى نجاح الضابط في خوض المعارك الميدانية فكلما ارتفعت حصيلة “الانتصارات” زادت فرص الترقي.
وهكذا أصبحت الدماء التي تسيل في كردفان بمثابة “مفتاح” لفتح أبواب القيادة في الخرطوم.
رابعاً: #البعد السياسي والاستراتيجي
لا يمكن عزل هذه الأحداث عن السياق السياسي الأشمل في السودان.
١/#الجيش ومحاولة إثبات الشرعية
يسعى الجيش بقيادة البرهان، إلى تقديم نفسه باعتباره “الحامي الأخير” لوحدة الدولة لكن تزايد الإقالات يكشف عن هشاشة داخلية تهدد بنيته.
٢/#المليشيا واستغلال الفراغ
قوات الدعم السريع تستغل الانقسامات الداخلية في الجيش وتتقدم في مناطق الأطراف خصوصاً في دارفور وكردفان. يصف أحد المحللين هذا التمدد بأنه ”
(#زحف بطيء لكنه ثابت نحو قلب الدولة)”.
٣/#القوى المدنية المغيبة
في خضم هذا الصراع غابت القوى المدنية عن المشهد فلم تعد تملك أدوات ضغط حقيقية وأصبحت بياناتها مجرد صدى في فضاء عام أنهكته الحرب.
٤/#الأبعاد الإقليمية
#فمصر تراقب الجيش وتحاول دعمه لوجستياً حفاظاً على نفوذها.
#الإمارات متهمة بدعم الدعم السريع، سواء عبر المال أو الوسائط الإقليمية.
#تشاد تحولت إلى قاعدة خلفية لتهريب السلاح والذهب وكل هذا يضاعف تعقيد الأزمة.
خامساً: شهادات حيّة
١/#من قلب النزوح
إحدى النازحات من الدبيبات قالت:
(#لم أعد أملك شيئاً سوى أولادي… تركت بيتي ومحاصيلي ومواشيي لا أعرف إن كنت سأعود يوماً…!!@).”
٢/#من العسكريين المتقاعدين
اللواء المتقاعد /#عبد الله مصطفى يرى أن الترقيات الأخيرة قد تكون سلاحاً ذا حدين:
قد تُسكت أصوات التمرد في الجيش مؤقتاً لكنها قد تفتح الباب لصراعات أعمق بين الأجيال العسكرية.”
٣/#من المحللين السياسيين
يقول المحلل السياسي د. عبد الباسط سعيد:
(كل قرار بإقالة أو ترقية لا ينفصل عن معركة على الأرض فالقيادة في السودان باتت مرهونة للرصاص أكثر مما هي للسياسة.”
سادساً: الاعتراف الشخصي:
كمواطن غير متحزب أتابع هذا المشهد يومياً فأجد نفسي ممزقاً بين صورتين: ١/صورة أمّ من كردفان تحضن طفلها تحت وابل الرصاص
٢/وصورة قرار عسكري يُعلن في نشرة الأخبار عن ترقية أو إقالة.
أحياناً أشعر وكأن القرارات تُكتب بحبر من دماء الأبرياءلا أستطيع أن أنكر أني أخشى أن يبتلع هذا الوطن بأكمله لعبة الكراسي العسكرية.
فكلما ترقّى ضابط سقطت قرية وكلما أُقيل قائد، تهجر أسرة…!!
فالمعادلة قاسية والضحايا دائماً من المدنيين…!!!
خاتمة: #أسئلة معلقة على الدم
إن قراءة ما بين معارك كردفان الدامية وقرارات البرهان العسكرية تكشف لنا أن الحرب في السودان ليست مجرد مواجهات ميدانية بل منظومة متكاملة لإعادة تشكيل السلطة عبر الدم والقرارات.
فيبقى السؤال:
هل يمكن أن يظهر عقل سياسي يوقف نزيف الوطن..؟
أم أن قدر السودان أن يظل أسيراً لمعادلات الجنرالات ومصالح السلاح.؟
وكيف سيكتب التاريخ عن أمة نزفت حتى آخر قطرة بينما انشغل قادتها بالترقيات والإقالات..؟
إن ما يجري اليوم بكردفان والخرطوم هو وجه واحد لحقيقة مرة:
ان.السودان ينزف وقياداته تتصارع والشعب هو وحده الذي يدفع الثمن.



