الحرب الدائرة اليوم في السودان لم تكن يوماً حرباً وطنية، ولا دفاعاً عن الدين، ولا جهاداً في سبيل الله
الجهاد والإستشهاد في حرب السودان !!!
محمد الفاتح حضرة

الحمد لله القائل:
﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل:
«انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»
قالوا: يا رسول الله، ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال:
«تَحْجُزُهُ أو تَمْنَعُهُ عن الظُّلم، فذلك نصرُه»
[البخاري].
أعتقد أنه قد تبيّن لكل ذي بصيرة أن الحرب الدائرة اليوم في السودان لم تكن يوماً حرباً وطنية، ولا دفاعاً عن الدين، ولا جهاداً في سبيل الله، كما يحاول أن يصوّرها أنصار جماعة الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني وشركاؤهم. بل هي حرب عبثية، أُشعلت نيرانها منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وكان أحد أهدافها الكبرى القضاء على ثورة ديسمبر المجيدة وقادتها الشرفاء من شباب الثورة وقوى الحرية والتغيير.
فمنذ اليوم الأول للانقلاب، بدأت حملة شرسة من الاعتقالات والملاحقات ضد رموز الثورة، بل وصل الأمر إلى فتاوى دينية صدرت عن شيوخ موالين للحركة الإسلامية، تبيح دماء قادة الحرية والتغيير، وتسوّي بينهم وبين قوات الدعم السريع في عداوتهم. ثم جاءت الحرب الحالية لتكشف وجهها الحقيقي: حرب لتصفية الخصوم السياسيين وتثبيت التمكين مجدداً. وقد أعاد قادة الجيش فتح أبواب الدولة لقيادات المؤتمر الوطني، ومكّنوهم من الأجهزة العدلية والقضائية، بل وجرؤ كامل إدريس على تعيين بعضهم في مناصب وزارية علناً بلا حياء.
أما حجّة أنصار الكيزان القائلة بوجوب نصرة قادة الجيش بحجة أن الدعم السريع ارتكب جرائم وانتهاكات، فهي باطلة شرعاً ومنطقاً. إذ كيف يستقيم أن يُستباح القتال في صفّ طرفٍ ارتكب هو الآخر –مع شريكه الأمس– جرائم القتل والإغتصاب والتعذيب وتقويض النظام الدستوري؟! أليسوا جميعاً سواء في الدماء المنتهكة والمظالم التي ارتكبوها ضد المدنيين العزّل؟!
ثم إنّ القرآن حذّرنا من الركون إلى الظالم، سواء لبس عباءة الجيش أو حمل شعار الدعم السريع، فقال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
[المائدة:2].
فلا يجوز أن نجعل من جرائم طرفٍ ذريعةً لتبرير جرائم الآخر. ومنطق الشرع والعقل معاً أن الظالمين إذا اقتتلوا، فإن دماء المدنيين لا تكون ثمناً لصراعاتهم على السلطة والثروة.
والشواهد على زيف دعاوى الوطنية والجهاد أوضح من أن تُخفى:
استخدم الطرفان الطعام والماء والكهرباء كسلاح ضد المدنيين.
دمّروا المرافق العامة، وقصفوا الأحياء السكنية والمستشفيات والجسور ومحطات الكهرباء والماء.
مارسوا سياسة تجويع المدنيين وتشريدهم، بل وتحدّثت تقارير دولية عن شبهات استخدام الجيش للأسلحة الكيماوية.
نهب الدعم السريع سيارات المواطنين واستخدمها في معاركه، بينما قصف الجيش تلك السيارات وحرقها بلا أي مسؤولية في تعويض أصحابها.
اعتقلوا وقتلوا كل من عارض الانقلاب أو رفض الحرب، وأظهروا إصراراً مخزياً على استمرار القتال “ولو لمائة عام” بلا حسرة على الوطن ولا على الشعب.
كل هذه الوقائع الدامغة تؤكد أن لا الجيش ولا الدعم السريع يعنيه أمر المصلحة العامة ولا حماية المدنيين، وإنما هي حرب سلطة وثروة ومصالح فئوية وحزبية.
أما ثورة ديسمبر المجيدة، فهي وحدها التي مثّلت الأمل في وطنٍ حرّ تسوده العدالة والكرامة. ولذلك اجتمع الطرفان –الجيش والدعم السريع– يومها على قمعها ووأدها. واليوم يتصارعان على الغنيمة، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن الباهظ دماراً وتشريداً وتجويعاً وقتلاً.
فالواجب الشرعي والوطني ألا ننجرّ خلف دعاياتهم، وألا نضع أنفسنا أدوات في حربهم، بل أن نتمسّك بقول الحق تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
[يونس:81].



