الأعمدة

(التسوية) .. معركة معقدة من “التفاوض” إلى “التنفيذ”

كتب .. أحمد_عثمان_جبريل..
كتب عالم الاجتماع”زيجمونت باومان” ذات مرة يقول “التاريخ لا يُكتب بالحبر فقط، بل بالدماء، والدموع، والصمت.” .. قد يبدو هذا القول معبرًا عن واقع السودان اليوم، حيث تسير الأحداث على مسارات غير مرئية، وتغدو التحولات السياسية عملية معقدة، تتخللها الارتباكات والتنازلات، إذا كانت السياسة، كما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، هي “فن إمكانات التحكم في العلاقات” فإن التسوية السياسية في السودان، التي تُطبخ الآن بعيدًا عن أعين الداخل، هي محاولة لتشكيل هذا الفن بطريقة جديدة.
ولكن السؤال الأبرز: كيف يمكن لهذه التسوية أن تُنفذ على أرض الواقع، وسط تركة ثقيلة من الصراعات التاريخية والتحديات السياسية؟ وما هو الدور الذي سيلعبه البرهان في رسم هذه الخارطة؟ ومن سيبقى ومن سيُستبعد؟ هذا هو محكّ المرحلة القادمة.
في لحظة تاريخية تزدحم فيها التناقضات، تبدو التسوية السياسية وكأنها الخيار الوحيد. لكن، كما يرى الفيلسوف هيغل، “التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن الناس يعيدون أخطاءهم”.. فاللحظة التي يمر بها السودان الآن تتطلب أكثر من مجرد تسوية بين الأطراف المتنازعة؛ إنها تتطلب عملية دمج حذر بين الآمال العميقة لشعب عانى طويلًا، وبين حسابات القوى السياسية المحلية والدولية.
لن تكون التسوية مجرد توقيع اتفاقات بين الأطراف السياسية، بل هي عملية معقدة من التنازلات والقرارات الصعبة، التي ستشكل أساسًا لتوجيه بوصلة البلاد في المستقبل. إذا كانت السياسة في عمقها، كما يقول نيتشه، “هي الفن من تحويل الممكن إلى واقع”، فإن ما يحاول البرهان ورفاقه في السلطة أن يفعله هو تحويل الواقع الحالي للسودان إلى مشهد سياسي جديد، يضمن استقرارًا غير مسبوق.
ولكن ما هي مكونات هذه التسوية؟ أولًا، هناك محاولة جادة لدمج الأطراف المختلفة في “سلطة جديدة”، ليس على قاعدة الشراكة التقليدية، بل على قاعدة الائتلاف الهش، الذي لا يحتمل العديد من الصراعات المفتوحة. ثانيا، محاولة لتشكيل خارطة سياسية أكثر توافقًا مع المصالح الدولية والإقليمية، تلك التي تقف على مسافة من التكتلات التي نشأت في عهد “الإنقاذ”، والتي لا يُمكن العودة إليها.
إذا كانت التسوية عملية إعادة تشكيل للواقع السياسي، فإن الجزء الأصعب يكمن في كيفية التعامل مع الأيديولوجيات القديمة التي لازالت تُمسك بخيوط اللعبة.. كما يقول “توماس هوبز” في كتابه “في حالة الإنسان”، “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، فإن السياسة السودانية، التي لا تزال تُعاني من آثار الحروب الأيديولوجية، لا يمكن أن تظل محكومة بالعواطف القديمة. التسوية السياسية اليوم ليست مجرد ردم للهوة بين المعسكرات المختلفة، بل هي إعادة رسم لنظام يحقق استقرارًا بعيدًا عن الاستقطابات التي كانت سائدة.
في هذا السياق، يُعد “الإسلاميون” أكبر تحدٍ في هذا المسار.. فهم، كما ذكر “كارل ماركس” في كتابه “البيان الشيوعي” يمثلون “طبقة تاريخية” لا يمكن أن تختفي بسهولة من مسرح الأحداث، حتى وإن تم استبعادهم من الحكم المباشر .. إن بقايا هذه القوة، التي تُعد جزءًا من التاريخ المعاصر للسودان، فكيف ستتعامل معها التسوية، هل سيتم دمجها في سياقات جديدة، تتماشى مع التسوية المُراد تنفيذها.. أم اقصاءها بعيدا هو الحل؟
إن القسوة في الإقصاء قد تكون أسوأ من الخطأ نفسه، كما يقول الفيلسوف الفرنسي جان-بول سارتر: “إن التصفية الجسدية هي الأسهل، أما تطهير الأذهان فهو الأصعب”. هذه حكمة تضع أمامنا اختبارًا حقيقيًا في التسوية السودانية؛ هل سيتم التعامل مع الأطراف المُقصاة من خلال آليات سياسية ومجتمعية تعمل على تهدئة التوترات، أم سيكون الإقصاء القاسي هو المخرج الوحيد؟ و كيف سيتعامل البرهان، الذي لطالما وُصف بـ”الكاهن” السياسي، مع هذه المعادلة الدقيقة؟ هل سيكون قادرًا على فرض رؤيته السياسية في ظل تداخل المصالح المحلية والإقليمية والدولية؟
كما يقول “ماكس فيبر” في تحليله للسياسة، “السلطة هي القدرة على فرض إرادة المرء في مواجهة مقاومة الآخرين”. قد يكون البرهان قد فهم هذه المعادلة منذ البداية، ولذلك يختار السير في المسار الذي يبدو في ظاهره هادئًا، ولكن تحت السطح يتسم بالحذر والقدرة على ضبط التوازن بين القوى المتصارعة، ربما أن براغماتيته قد تدفعه إلى إدارة هذه التسوية بشكل يضمن استقرارًا طويل الأمد، بعيدًا عن الحروب الأيديولوجية القديمة.
ولكن هنا تكمن المعضلة؛ إذ أن أي تسوية لا يمكن أن تكون ناجحة إذا لم تُنفذ على الأرض. كما يقول الفيلسوف الإيطالي “أنطونيو غرامشي”: “إن الحاكم لا يُحكم فقط بالسلطة، بل بالقبول الشعبي”. التسوية السودانية، التي يجري طبخها الآن، قد تكون خطوة مهمة نحو الاستقرار، لكنها تحتاج إلى تنفيذ حذر وواقعي.
لا يكفي أن يوقّع الأطراف اتفاقًا سياسيًا، بل يجب أن تتم ترجمة هذا الاتفاق إلى واقع ملموس، مع مواجهة التحديات الميدانية.. والواقع هنا، كما يقول “جان بودريار”، هو “الذي يفرض نفسه”، بمعنى أن ما يقرره السياسيون في القاعات المغلقة قد يتبدل فجأة أمام صمود الجماهير أو تحركات الحركات السياسية غير المعلنة.
إذا كان التاريخ يعيد نفسه في بعض محطاته، فإن المعركة الحالية في السودان ليست معركة داخلية فقط، بل معركة عالمية لتشكيل مستقبل دولة تكتنفها التعقيدات السياسية والاجتماعية.. إن التسوية التي يتم العمل عليها اليوم ليست مجرد توافقات بين قوى محلية، بل هي انعكاس للمصالح العالمية التي تستهدف استقرار المنطقة بأسرها.. وكما يقول الفيلسوف الفرنسي “ألبير كامو”: “إن السياسة الحقيقية هي ألا تفرّق بين ما هو شخصي وما هو عام”. فهذه التسوية ليست مجرد عملية وطنية، بل جزء من اللعبة الكبرى التي يشارك فيها الجميع.
إذن، نحن أمام لحظة مفصلية في التاريخ السوداني، حيث سيتم اختبار قدرة القوى الداخلية على التكيّف مع الظروف الجديدة، وقدرة البرهان على تنفيذ التسوية بحنكة، بعيدًا عن الاستقطاب الأيديولوجي .. والسؤال هنا هل سينجح في أن يكون “كاهنًا” يقرأ المستقبل جيدًا، أم أن التاريخ سيتجاوزنا جميعًا دون أن نكتشف في الوقت المناسب أين تكمن الحقيقة؟
بقى ان نقول ان التسوية السودانية تمثل معركة سياسية معقدة، ولن تنجح إلا إذا تمت ترجمتها إلى واقع سياسي ملموس، بعيدًا عن حسابات الماضي وأيديولوجياته.. إنا لله ياخ..الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى