تقارير

بالفيديو … ” موكب البليلة الملكي: عندما تصبح حبة الحمص إنجازاً تاريخياً”

بقلم : المستشار معاوية أبوالريش

في زمن تتصارع فيه الأمم على غزو الفضاء وتطوير الذكاء الاصطناعي، وبينما تتسابق الشعوب نحو التقدم والازدهار، وجد والي الخرطوم – في لحظة إلهام استثنائية – أن أعظم ما يمكن أن يقدمه لشعبه هو… موكب ملكي لتدشين البليلة!
ما هي البليلة؟
للقراء من خارج السودان، البليلة هي طبق شعبي سوداني تقليدي يُقدم عادة على مائدة الإفطار خلال شهر رمضان المبارك. تُصنع من الحمص المسلوق (أو أحياناً العدس الأحمر أو اللوبيا الحمراء) مع إضافة التوابل البسيطة مثل الكمون والملح والفلفل، وقد يُضاف إليها الزيت والليمون. إنها وجبة بسيطة ومتواضعة وشعبية، تشبه إلى حد كبير طبق الحمص في بلدان الشرق الأوسط الأخرى.
وهنا تكمن المفارقة: هذا الطبق البسيط والمتواضع أصبح مناسبة لموكب رسمي فخم!
“الموكب الأسطوري”
نعم، لقد شهدت ضاحية أمبدة حدثاً تاريخياً لن تنساه الأجيال القادمة. موكب من السيارات الفارهة يشق طريقه بين الأزقة المتربة، محاطاً بالحراس والمرافقين، في مشهد يذكرنا بمواكب الملوك والأباطرة عبر التاريخ. لكن الفرق الوحيد أن هذا الموكب لم يأت لفتح جامعة أو مستشفى أو حتى مدرسة، بل لتدشين… حفنة من البليلة!
“عبقرية الأولويات”
لعلّ والي الخرطوم يمتلك رؤية استراتيجية لا نفهمها نحن البسطاء. فبينما نظن أن المواطن السوداني يحتاج إلى مستشفيات ومدارس وطرق معبدة ومياه نظيفة وكهرباء، يأتي الوالي ليعلمنا أن الأولوية الحقيقية هي البليلة! وليس مجرد بليلة عادية، بل بليلة “مُدشّنة” رسمياً بموكب وحراس وزغاريد.
” حكومة الأمل… والحمص”
هكذا إذن تبدو “حكومة الأمل القادمة” – حكومة تحتفل بحبة الحمص كما لو كانت قد اكتشفت الدواء للسرطان. حكومة تستنفر الإعلام والمصورين لتغطية عملية توزيع البليلة، وكأنها تدشن أكبر مشروع إنمائي في تاريخ السودان.
” الشعب السوداني أكبر من البليلة”
السودانيون الذين أنجبوا حضارة كوش وبناة الأهرام، الذين أضاءوا العالم بعلمائهم وأدبائهم، الذين قدموا للإنسانية أعظم المفكرين والشعراء، هؤلاء الناس أكبر من أن يُقدم لهم “إنجاز” البليلة في أوعية صغيرة وسط الزغاريد والتهليل.
” عودة الفولكلور السياسي”
المشهد يذكرنا بأسوأ عادات الأنظمة البائدة التي كانت تحتفل بأتفه الأشياء وتصورها كإنجازات عظيمة. هل عدنا إلى عهد الاحتفال بافتتاح نافورة أو قص شريط مرحاض عمومي؟ هل هذا هو مستوى طموحاتنا؟
” رسالة إلى الوالي”
سعادة الوالي المحترم، الشعب السوداني يستحق أفضل من هذا. يستحق مسؤولين يفهمون أن الكرامة لا تُطعم بالبليلة، وأن الأمل لا يُصنع بالزغاريد حول وعاء من الحمص. يستحق قادة يحلمون بالنهضة الحقيقية، لا بالعروض الفولكلورية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
في النهاية، ليس العيب في البليلة – فهي طعام شعبي محبوب وجزء من التراث السوداني. العيب في عقلية تجعل من توزيع حفنة منها حدثاً يستحق الاحتفال الرسمي والتغطية الإعلامية. العيب في قيادة تظن أن المواطن السوداني سيرضى بالفتات ويكتفي بالعروض الشعبوية.
السودان يستحق أفضل من هذا. والسودانيون أكبر من أن يُخدعوا بموكب البليلة الملكي.

bb5d330a-f456-4c45-b46e-9ae6e076859e

زر الذهاب إلى الأعلى