الأعمدة

البيت عندنا ليس حجارة تُبنى ولا سقفًا يحتمي تحته الناس البيت حياة، وذاكرة، وأمان. هو حكايات تُروى على الشرفات

كثيرًا ما كانت تمرّ أمامي إعلانات بيع المنازل في أحياء الخرطوم، إعلانات عادية لم يكن لها عندي أثر، أكتفي بأن أُعجب أحيانًا بتصميم أنيق أو بسعر ملفت أو بموقع مميز ثم أتابع تجولي في حوش مارك العجيب هذا،لكن شيئًا تغيّر صارت تلك الإعلانات توجعني حد الوجع تنخر روحي بعمق لا أستطيع تجاهله. صرتُ أقف عند الصور طويلًا، أتأمل الجدران الصامتة التي كانت بالأمس تضج بالحياة، أقرأ بين زوايا الغرف أصواتًا غابت وضحكاتٍ انطفأت، وأحاول أن أستعيد وجوهًا لم أرها، كأنها سكنتني دون أن أعرفها.
أرى في مخيلتي أطفالًا كانوا يتراكضون بين الغرف، ضحكاتهم تتناثر على النوافذ، وصوت جدّة تجلس في ركنٍ قصيّ، تُلقي بنصائحها اللاذعة التي تحمل في طياتها دفئًا وطمأنينة. أتخيل ربّ أسرة كان يضع رأسه المثقل على وسادته في هذا الركن تحديدًا، بعد يوم عمل طويل، مطمئنًا لأن بيته ملاذه، وجيرانه أهله، وشوارع الحيّ امتدادٌ لحياته.
البيت عندنا ليس حجارة تُبنى ولا سقفًا يحتمي تحته الناس فحسب، البيت حياة، وذاكرة، وأمان. هو حكايات تُروى على الشرفات، وقهوة تُغلى في الصباحات، وهمسات آخر الليل التي تبقى عالقة في الجدران. حين يُباع بيت في السودان، لا يُباع عقار.. بل يُباع تاريخ، ويُفرّط في سنواتٍ من الألفة، وتُنزَع من جدرانه أرواح ساكنيه.
لكن ما الذي يجبر الناس على أن يقتلعوا قلوبهم من بين الحيطان؟ ما الذي يجعلهم يتركون خلفهم عُمرًا كاملاً من العِشرة والجيرة؟ إنهم لا يرحلون لأنهم أرادوا، بل لأن الحرب دفعتهم إلى ذلك. تلك الحرب التي دنّست كل معنى جميل، وحوّلت المساكن العامرة بالدفء إلى أطلال خاوية، وهجّرت الناس من أوطانهم الصغيرة كما لو أنهم لم يكونوا يومًا جزءًا منها.
الحرب، يا لها من لعنة. إنها لا تكتفي بقتل الأرواح، بل تقتل الذكريات، تسرق البيوت من أصحابها، وتترك خلفها جدرانًا عمياء تتساءل عن ساكنيها. الحرب قاسية، قبيحة، لا تعرف رحمة.. تبيع البيت، وتبيع معه الضحكة والحنين والأمان. تجعل الإنسان غريبًا عن وطنه، وتتركه مشرّدًا يحمل في قلبه مفاتيح أبوابٍ لم تُغلق على اسراره فرحته غضبه يوما .
فالبيوت التي تُباع ليست مجرد منازل، إنها شواهد على بشاعة حربٍ سلبتنا معنى الانتماء، وأجبرت الناس على أن يبيعوا حياتهم قطعةً قطعة، حتى آخر جدار.
#حرب_الندامة
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى